القائمة

فنزويلا أولًا… من التالي؟ ترامب يفرض منطق القوة وأوروبا تكتفي بالصمت

غرفة الأخبار أسبوعين مضت 0 3.5 ألف

أعاد التدخل الأمريكي في فنزويلا، في ظل غياب تفويض دولي واضح، طرح تساؤلات خطيرة حول مُستقبل النظام العالمي القائم على القانون، وكشف حدود قدرة الاتحاد الأوروبي على مواجهة سياسات واشنطن في عهد الرئيس دونالد ترامب. وبينما اختارت بروكسل لغة الحذر وتجنّب الإدانة، يفتح هذا النهج الباب أمام مرحلة جديدة من فرض الأمر الواقع بالقوة، قد تمتد تداعياتها إلى الشرق الأوسط، حيث تبرز مصر كشريك استراتيجي في حسابات أمريكية لا تحكمها المبادئ بقدر ما تحكمها المصالح.

منذ اللحظات الأولى للعملية العسكرية الأمريكية، بدا الموقف الأوروبي حذرًا إلى حد التردد، فقد اكتفى الاتحاد الأوروبي ببيانات دبلوماسية تدعو لاحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتؤكد أن أي تغيير سياسي في فنزويلا يجب أن يتم بإرادة شعبها، دون اللجوء إلى القوة. اللافت أن هذه البيانات تجنبت توجيه إدانة مُباشرة لسلوك الولايات المتحدة، رغم غياب تفويض دولي واضح، ما عكس حرجًا سياسيًا أكثر منه موقفًا قانونيًا حاسمًا.

مصادر دبلوماسية أوروبية بررت هذا النهج بأن الصدام المفتوح مع واشنطن في هذه المرحلة قد يكلّف أوروبا ثمنًا استراتيجيًا باهظًا، خاصة في ظل اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة في ملفات كبرى مثل الحرب في أوكرانيا، وأمن الطاقة، ومواجهة روسيا. غير أن هذا التبريرات لم تمنع تصاعد الانتقادات داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية، التي رأت في الصمت الأوروبي تنازلًا عمليًا عن المبادئ التي يرفعها الاتحاد منذ عقود.

ردود فعل الاتحاد الأوروبي كشفت أنه لم يكن منقسمًا فقط في نبرته العلنية، بل في رؤيته العميقة لما جرى. دول أوروبية كبرى رأت في التدخل الأمريكي سابقة خطيرة قد تُستخدم لاحقًا لتبرير تدخلات مماثلة في مناطق أخرى من العالم، بينما تبنت دول أخرى موقفًا براجماتيًا، مُعتبرة أن نهاية نظام مادورو— بغض النظر عن الوسيلة — قد تفتح بابًا لمرحلة سياسية جديدة في فنزويلا.

هذا التباين يعكس أزمة أعمق داخل الاتحاد الأوروبي، تتعلق بعجزه عن بلورة سياسة خارجية مُستقلة وقادرة على مواجهة الإدارة الأمريكية حين تختار العمل خارج الأطر الدولية. فخلال ولاية ترامب، بات واضحًا أن واشنطن تفضل منطق القوة وفرض الأمر الواقع على التفاوض مُتعدد الأطراف، وهو ما يضع الحلفاء الأوروبيين أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما المجاراة أو العزلة.

سياسة ترامب في فنزويلا لا يمكن فصلها عن نهجه العام في السياسة الخارجية، وهو سلوك يقوم على تجاوز المؤسسات الدولية، وتقليص دور الأمم المتحدة، واستخدام القوة أو التهديد بها كأداة تفاوض أساسية. هذا النمط يثير مخاوف جدية من انتقاله إلى مناطق أكثر حساسية، وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط.

بالنسبة للشرق الأوسط، تبدو المنطقة حاضرة بقوة في الحسابات الأمريكية، لا من زاوية الاستقرار أو الإصلاح، بل من زاوية المصالح المُباشرة: الطاقة، وأمن إسرائيل، ومواجهة الخصوم الإقليميين والدوليين. وفي هذا السياق، تبرز مصر كحالة خاصة.

فالقاهرة تُعد شريكًا استراتيجيًا لواشنطن، ومن المتوقع أن تحظى بعلاقة أكثر براجماتية في ظل سياسة ترامب، تقوم على الدعم السياسي غير المشروط مُقابل دور أمني وإقليمي واضح، خصوصًا في ملفات غزة، وأمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب. غير أن هذا الدعم لا يخلو من مخاطر، إذ قد تتحول الشراكة في أي لحظة إلى أداة ضغط إذا تعارضت المصالح أو تغيرت الأولويات الأمريكية.

أوروبيًا، تتعامل بروكسل مع مصر بمنطق مختلف عن فنزويلا. فهي تتجنب الضغط الحقيقي، خشية تداعيات غير محسوبة تتعلق بالهجرة غير النظامية، والإرهاب، واستقرار جنوب المتوسط. هذا التناقض يعكس ازدواجية أوروبية تفرضها الجغرافيا والمصالح، أكثر مما تحكمها المبادئ.

في المحصلة، يكشف ما جرى في فنزويلا عن عالم يتجه بثبات نحو تغليب منطق القوة على القانون، وعن اتحاد أوروبي يجد نفسه عاجزًا عن الدفاع عن القواعد التي ساهم في بنائها. أما الشرق الأوسط، ومصر على وجه الخصوص، فسيكونان جزءًا من هذا التحول، سواء كشركاء أو كأوراق في لعبة دولية تتغير قواعدها بسرعة.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *