القائمة

فنان مصري فى هولندا حوّل الأعمدة الإسمنتية إلى لوحات فنية، وجعل من حديقة مرسمه مسرحًا بصريًا لفوضى الإنسان وحروبه

سعيد السبكي 3 أسابيع مضت 0 8 ألف

جمال عز العرب ابن مدينة الإسكندرية، المدينة التي ارتبطت في الذاكرة المصرية والعربية بالبحر والانفتاح وتعدد الثقافات وتداخل البشر والأفكار.

ولعل هذه الخلفية تفسر جانبًا من علاقته بالمكان.

فهو لا يتعامل مع المرسم باعتباره غرفة مغلقة ينسحب إليها الفنان بعيدًا عن العالم، بل يبدو المكان بالنسبة إليه كائنًا حيًا يتفاعل مع محيطه.

المرسم أمام محطة قطارات . . والقطار يعني حركة . . مسافرون يأتون ويغادرون . . وجوه لا يعرف بعضها بعضًا . . لغات مختلفة . ثقافات مُتعددة . وحكايات تبدأ وتنتهي في دقائق.

في وسط هذه الحركة كلها يقف الفنان داخل مرسمه، محاطًا بأعماله، لكنه في الوقت نفسه يراقب عالمًا أكبر من حدود اللوحة.

ربما لهذا خرج جزء من فنه إلى الشارع . فالفن عند عز العرب لا يبدو مُنفصلًا عن الحياة اليومية . . إنه جزء منها . والمدينة نفسها تتحول إلى مساحة عرض مفتوحة.

ربما كان أكثر ما يستوقف الزائر في تجربة عز العرب هو ذلك التحول الذي طرأ على الأعمدة الخرسانية المحيطة بالمرسم.

قبل المشروع، كانت الخرسانة تؤدي وظيفتها وتبقى في الخلفية.

رمادية. صامتة. عملية . لكن الفنان رأى فيها شيئًا آخر . رأى سطحًا يمكن أن يحتمل اللون . ومساحة يمكن أن تستقبل الموزاييك . وكتلة صامتة يمكن أن تدخل في حوار مع الإنسان.

هنا تحديدًا تكمن أهمية التجربة.

فهو لم يكتفِ بإنتاج عمل فني داخل المرسم، وإنما حاول تغيير البيئة البصرية المحيطة به . وكأن الرسالة تقول إن المدينة ليست فقط طرقًا ومبانٍ ومحطات ومرافق عامة.

المدينة أيضًا ذاكرة بصرية. والفن يمكن أن يشارك في تشكيل هذه الذاكرة.

لكن الوصول إلى هذه النتيجة لم يكن سهلًا.

كان على الفنان أن يخوض نقاشًا مع الجهات المحلية للحصول على الموافقات، وأن يدافع عن الفكرة أمام المسؤولين، وأن يحول المشروع من تصور شخصي إلى عمل يمكن أن يظهر في المجال العام.

وهنا تتقاطع تجربة الفنان مع واحدة من أهم قضايا الفن المعاصر: هل يجب أن يبقى الفن داخل المؤسسات الثقافية، أم يستطيع أن يحتل الشارع ويغير علاقتنا بالمكان؟

عز العرب اختار الطريق الثاني.

داخل المرسم، تتضح الصورة أكثر. فالمكان لا يبدو كأنه مجرد مساحة يعمل فيها الفنان لساعات ثم يغادرها. كل ركن يحمل شيئًا من شخصيته. وكل مساحة تبدو وكأنها جزء من مشروع مستمر لم يكتمل بعد. لكن الأهم من الأشياء التي يمكن للعين أن تراها، هو ما يمكن سماعه عندما يبدأ الحديث مع الفنان.

فجمال عز العرب لا يتحدث عن اللون باعتباره لونًا فقط. ولا عن الشكل باعتباره شكلًا. هناك دائمًا شيء آخر وراء العمل.

إنه الإنسان.

وهنا تصبح زيارة المرسم أشبه بالدخول إلى عقل الفنان نفسه.

في أحاديثه، تظهر بوضوح حالة من الانشغال بما يحدث في العالم. الظلم. العنف. الحروب. الصراعات. الضحايا الذين لا يملكون القوة للدفاع عن أنفسهم.

والمفارقة أن هذه القضايا، التي تبدو في ظاهرها سياسية أو عسكرية، تدخل عالم الفنان من بوابة إنسانية.

هو لا يتحدث عن الحرب باعتبارها خرائط وتحالفات وجيوشًا فقط، وإنما باعتبارها إنسانًا يفقد منزله، وطفلًا يفقد عائلته، وأمًا تنتظر ابنًا قد لا يعود، ومدينة تتحول من مكان للحياة إلى مكان للدمار.

وفي هذا السياق، تحضر القضية الفلسطينية بقوة في اهتمامه، ولا سيما ما يجري في غزة والضفة الغربية.

فالمشاهد القادمة من الأراضي الفلسطينية لا تمر بالنسبة إليه كأخبار يومية تنتهي بانتهاء النشرة.

إنها صور تظل معلقة في الذاكرة . وتجد طريقها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى العمل الفني.وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل يستطيع الفنان أن يبقى محايدًا عندما يرى الإنسان يُسحق أمام عينيه؟

جمال عز العرب يبدو منشغلًا بهذا السؤال، لكنه لا يجيب عنه بالكلمات وحدها. إنه يحاول أن يجيب عنه باللون والشكل والخامة والمساحة.

حديقة المرسم.. من الجدار إلى الفوضى الإنسانية

لكن المشروع الأكثر إثارة للاهتمام ربما لا يوجد خارج المرسم، وإنما داخل حديقته.

هناك مشروع فني يقترب من الاكتمال، ويبدو وكأنه خلاصة مكثفة للكثير من الهواجس التي تشغل الفنان.

الجدران في الحديقة لم تعد جدرانًا عادية.

الأشكال والأجسام والعناصر المختلفة تتداخل فوقها وفيما بينها، في تكوينات تبدو أحيانًا وكأنها خرجت من عالم مضطرب.

لا توجد راحة كاملة للعين. هناك حركة. تداخل. ازدحام. أشكال تتقاطع. وأجسام تبحث عن موضع لها وسط تكوين مزدحم. لكن هذه الفوضى ليست اعتباطية. وراءها أكثر من فكرة.

فكرة الإنسان الذي يعيش في عالم مزدحم بالصراعات، حيث يفرض الأقوياء إرادتهم على الضعفاء، وحيث تتحول القوة في كثير من الأحيان إلى وسيلة لإعادة رسم حياة الآخرين دون أن يكون لهم حق الاختيار.

هنا يتحول الجدار إلى ما يشبه مسرحًا للحياة.والأشكال إلى شخصيات.والتداخل إلى صراع.والازدحام إلى صورة لعالم لم يعد يعرف كيف يخرج من أزماته.

قد يقف المتلقي أمام المشروع ويسأل لماذا كل هذا التداخللماذا هذه الأشكاللماذا لا تبدو الصورة مرتبة؟

لكن ربما تكون الإجابة في السؤال نفسهفالعالم الذي يحاول الفنان التعبير عنه ليس مرتبًا.الحروب ليست مرتبة.

المآسي ليست مرتبة.

الهجرة والنزوح والفقر والعنف والاحتلال والصراع على النفوذ ليست خطوطًا مستقيمة يمكن وضعها في إطار.إنها شبكة هائلة من العلاقات والمصالح والقوى والضحايا.

ولهذا ربما تبدو الفوضى في العمل الفني أقرب إلى محاولة لتصوير الواقع من محاولة تجميله.الفنان هنا لا يقدم للمشاهد صورة مريحة.

بل يدفعه إلى التوقف.والتأمل.وربما إلى طرح السؤال الذي يريد عز العرب أن يتركه مفتوحًا:

كيف يمكن للإنسان أن يعيش على كوكب واحد بينما يواصل البشر صناعة كل هذه الحدود والحروب؟

الفن ليس مُجرد زينة

في عالم اعتاد فيه البعض النظر إلى الفن باعتباره نوعًا من الترف، تقدم تجربة جمال عز العرب وجهة نظر مختلفة.الفن يمكن أن يكون جميلًا، نعم.لكنه يمكن أيضًا أن يكون شاهدًا.يمكن أن يكون احتجاجًا.

يمكن أن يكون ذاكرة.ويمكن أن يكون وسيلة لإعادة طرح الأسئلة التي لا تجد إجابات سهلة في السياسة أو الإعلام.فالعمود الخرساني الذي أصبح لوحة ليس مجرد تغيير شكلي في مظهر المكان.إنه إعلان بأن المجال العام يمكن أن يكون جزءًا من التجربة الثقافية.والجدار الذي يحمل أشكالًا متداخلة في حديقة المرسم ليس مجرد خلفية لعمل تشكيلي.إنه محاولة لتحويل المكان إلى نص بصري مفتوح.

ولأنني أزور مرسم جمال عز العرب من موقع الصحفي، فإن هناك شيئًا آخر يستوقفني في تجربته.

الصحفي والفنان يلتقيان أحيانًا في نقطة واحدة: كلاهما يحاول أن يرى ما وراء الصورة.

الصحفي يبحث عن القصة خلف الخبر.والفنان يبحث عن المعنى خلف الشكل.الصحفي يسأل: ماذا حدث؟والفنان قد يسأل: ماذا يعني ما حدث للإنسان؟

ولهذا فإن الحديث مع عز العرب لا يبقى طويلًا داخل حدود التشكيل.سرعان ما ينتقل إلى العالم.إلى الإنسان.إلى الظلم.إلى الحرب.إلى الضحايا.

وإلى ذلك الشعور القلق بأن البشرية، رغم كل ما حققته من تقدم علمي وتكنولوجي، ما زالت عاجزة عن التخلص من أكثر غرائزها بدائية: القوة والسيطرة والعنف.

لاهاي.. مدينة تمنح الخرسانة فرصة أخرى

ثمة مفارقة جميلة في قصة عز العرب.

فالمشروع الذي يحول الخرسانة إلى موزاييك يحدث في مدينة لاهاي، المدينة التي ارتبط اسمها دوليًا بالعدالة والقانون والمؤسسات الدولية.

وفي المكان نفسه، يحاول فنان أن يعيد تعريف الخرسانة بصريًا.أن يمنحها حياة أخرى.

وأن يقول إن المادة الصلبة يمكن أن تصبح لينة في عين الفنان.وأن الشيء القاتم يمكن أن يصبح ملونًا.

وأن المكان الذي يبدو عاديًا يمكن أن يصبح ذاكرة.وربما تكمن قوة التجربة في هذه المفارقة تحديدًا.

فالمدينة التي تستضيف مؤسسات دولية تتعامل مع قضايا الحرب والسلام والقانون، تستضيف أيضًا فنانًا يضع أمام المارة، من خلال الفن، صورة أخرى للعالم وصراعاته.

ليس داخل قاعة مؤتمر.ولا في وثيقة قانونية.بل على جدار وعمود إسمنتي وحديقة.

من الموزاييك إلى السؤال الأكبر

عندما يكتمل مشروع حديقة المرسم، سيكون من الصعب النظر إليه باعتباره مجرد إضافة جديدة إلى أعمال جمال عز العرب.

فالمشروع يبدو امتدادًا لمسار كامل.مسار بدأ من الفنان الذي رفض أن يرى الأعمدة الإسمنتية كما هي.

ثم انتقل إلى تحويل الفضاء العام.ثم إلى استخدام جدران الحديقة كمساحات للتعبير.

وفي كل مرحلة كان هناك سؤال أكبر من الشكل.ماذا يستطيع الفن أن يفعل؟هل يستطيع أن يغير المكان؟نعم.

هل يستطيع أن يغير طريقة نظر الناس إلى المكان؟ربما.هل يستطيع أن يوقف حربًا؟ليس وحده.

لكن هل يستطيع أن يمنع الإنسان من الاعتياد على صور الحرب والقتل والدمار؟هنا تصبح الإجابة أكثر تعقيدًا.

فالفن ربما لا يملك القوة لإيقاف المدافع، لكنه يستطيع أن يحفظ ذاكرة الضحايا من أن تتحول إلى أرقام.ويستطيع أن يقول إن وراء كل رقم إنسانًا.ووراء كل مدينة مدمرة حياة كانت موجودة.ووراء كل جدار قصة.

الفنان الذي يترك أثره على الجدار

في النهاية، ربما لا يكون أهم ما في تجربة جمال عز العرب هو عدد اللوحات التي أنجزها، ولا مساحة المرسم، ولا حجم المشروع.

الأهم هو الأثر.ذلك الأثر الذي يتركه الفنان في المكان وفي عين المتلقي وفي الذاكرة.عمود كان رماديًا فأصبح ملونًا.

جدار كان صامتًا فأصبح يتحدث.حديقة أصبحت مساحة لصراع الأشكال والأفكار.

ومرسم تحول إلى نقطة التقاء بين الفن والحياة.وهكذا، كلما خرجت من مرسم جمال عز العرب في مواجهة محطة Holland Spoor، تبدو الأعمدة الملونة مختلفة عن المرة السابقة.

فقد لا يكون الذي تغير هو العمود نفسه.ربما الذي تغير هو عينك أنت.وهذا، في نهاية المطاف، واحد من أعظم ما يستطيع الفن أن يفعله.

أن يجعلنا نرى الأشياء التي اعتدنا رؤيتها، وكأننا نراها للمرة الأولى.

وفي زمن تزدحم فيه الأخبار بالحروب والدمار، وتطغى فيه لغة القوة على لغة الإنسان، يصر فنان مصر من الإسكندرية، في قلب لاهاي، على أن يترك على الجدران والأعمدة شيئًا آخر:

لونًا في مواجهة الرماد، وشكلًا في مواجهة الفوضى، وفنًا يحاول أن يتذكر الإنسان حين ينساه العالم.

كتب بواسطة

سعيد السبكي هو كاتب وصحفي وإعلامي مصري مقيم في هولندا، يشغل منصب رئيس تحرير شبكة "تايم نيوز بالعربي".

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *