بقلم د.ليندا سليم
هل فكرنا يوماً من ينبض قلبه خوفاً على الصغار إن غابت الأم؟ في الغرفة، نتعلم كل يوم أن الأسرة شريكان لا يعوض أحدهما الآخر، واليوم، يأتي وطنا الأم ليصحح مساراً طال انتظاره بتعديل قانون الحضانة ليصبح الأب في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم، كأُمّ تحب أطفالها بلا حدود، أكتب هذه الكلمات ليس للدفاع عن نص قانوني، بل إنصافاً للفطرة الإنسانية، فلماذا نترك أطفالنا لشتات البيوت البديلة بينما عيون آبائهم ساهرة تبحث عن أمانهم؟ ولماذا نحكم على الأغلبية الحانية بجريرة نماذج شاذة لا تمثل سوى العتمة؟ إليكم حديث من القلب عن عدالة الأبوة واستقرار الطفولة.
حين تغيب الأم لسبب أو لآخر، تصابة روح الطفل بزلزال عنيف يفقد معه بوصلة الأمان الأساسية في حياته، وفي تلك اللحظة الحرجة، يحتاج الصغير إلى يد دافئة ومألوفة تحميه من التشتت والضياع وتكمل معه مشوار الحياة، ومن هنا تأتي القيمة الإنسانية العميقة للتعديل التشريعي الأخير في قانون الأسرة بمصر والعالم العربي، والذي أعاد ترتيب الحضانة ليضع الأب في مكانه الطبيعي، المرتبة الثانية بعد الأم مباشرة، هذا التغيير ليس مجرد إعادة ترتيب لأوراق المحاكم، بل هو اعتراف إنساني طال انتظاره بأن الأب ليس عابراً في حياة أطفاله، بل هو ركيزة الوجود الوجداني لهم.من يعيش في مجتمعات المغترب يدرك جيداً كيف تُبنى الطفولة السوية على أساس التشارك الإنساني الكامل والمسؤولية المتبادلة بين الأبوين، ولذلك فإن نقل الطفل عند غياب أمه إلى بيت الجدة أو الخالة مع وجود والده حياً يرزق، كان يمثل نوعاً من القسوة غير المقصودة، حيث يُحرم الطفل من المصدر الثاني للأمان الفطري في حياته، وبموجب هذا التعديل الإنساني، تتوحد الحضانة والرعاية مع الولاية في يد واحدة، مما يمنح الطفل استقراراً معيشياً ونفسياً، ويحميه من دوامة التنازع القضائي والشتات بين جدران بيوت الأقارب، ليظل الصغير في بيته الأصلي محاطاً بدمه وأبوته.
وفي خضم النقاشات، ترتفع أحياناً أصوات تخشى على الأطفال مستحضرة نماذج سيئة لآباء تخلوا عن واجباتهم أو ارتكبوا جرائم، لكن الإنصاف الإنساني والوعي المجتمعي يقتضي منا ألا نحكم على الأغلبية الصالحة من خلال تلك الفصائل الشاذة والنادرة، فالأب العنيف أو المستهتر تسقط عنه الحضانة تلقائياً بقوة القانون وبشروط الأمانة، بينما يزخر مجتمعنا بآباء يفيضون حناناً ورحمة، ويحترقون شوقاً ليصنعوا لأبنائهم مستقبلاً آمناً، الأب الخلوق الذي يتقي الله في أولاده لا يمكن أن ينافسه أحد في حرصه عليهم، وحرمانه من هذا الدور هو ظلم مزدوج لقلب الأب ولبراءة الطفل.
هذا التوازن الإنساني يتماشى تماماً مع جوهر الروح الدينية ومقاصد الشريعة، التي جعلت من الأب راعياً ومسؤولاً أصيلاً عن رعيته، فالأبوة ليست مجرد التزام مالي أو بنك يمول النفقات عن بُعد، بل هي وجود وحماية وتقويم، والتعديل الجديد ينهي التناقض المرير الذي شهده الواقع لسنوات، حين كان الأب مطالباً بالإنفاق والتحمل ماديّاً، بينما أطفاله يعيشون في بيئة أخرى قد تُزرع في نفوسهم الجفاء والبعد عنه، وعندما يخاف الأب ربه في رعيته، فإنه يحول تلك المسؤولية إلى حضن دافئ وأمان حقيقي يقي أطفاله عواصف الحياة.
أما من المنظور النفسي، فإن بقاء الطفل في كنف والده بعد فقدان الأم هو طوق النجاة الذي يحميه من صدمة اليتم المزدوج، فالجدات، رغم كل ما يحملنه من حب جارف، قد يثقلهن السن أو المرض عن مجاراة متطلبات جيل جديد يحتاج إلى الحزم والحماية والقوة لمواجهة المجتمع، وجود الأب يعزز في نفس الطفل الثقة بالهوية والانضباط السلوكي، ويشعره بأن جدران عالمه لم تنهدم بالكامل، بل ما زال هناك سند يستند إليه ليواجه الغد بأمان واعتدال.
إن تأييد هذا القانون من قِبلنا كأمهات هو قمة النضج الإنساني والأمومة الواعية، فالمرأة التي تحب أطفالها بصدق تتمنى لهم الأمان الأكبر حتى في غيابها، والأب الصالح الذي يخاف الله هو هذا الأمان، التعديل الجديد ليس انتصاراً لطرف على حساب آخر، بل هو انتصار للطفولة البريئة، وخطوة تاريخية نحو عائلات أكثر تماسكاً واستقراراً، تثق في الأب الحاني وتمنحه مساحته الكاملة ليكون الحصن الطبيعي والملجأ الآمن لأولاده.
