القائمة

عندما يتحول ضبط الجريمة إلى جريمة أخرى

Linda Seleem أسبوعين مضت 0 7.8 ألف

تجريم العنف ضد الأشخاص المضبوطين متلبسين بالجريمة.. بين حق المجتمع وسيادة القانون

بقلم: د. رامز ممدوح روحي

تتكرر بين الحين والآخر مشاهد لضبط الأهالي أشخاصًا يُشتبه في ارتكابهم جرائم سرقة أو اعتداء، وما يبدأ بمحاولة لمنع المتهم من الهرب قد يتحول خلال دقائق إلى اعتداء جسدي، وتقييد، وإهانة، ثم تصوير الواقعة ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد يحظى هذا النوع من المشاهد أحيانًا بتعاطف شعبي، باعتباره «رد فعل طبيعيًا» على الجريمة، إلا أن المشهد يطرح سؤالًا قانونيًا وأخلاقيًا بالغ الأهمية:

هل يحق للأفراد معاقبة المتهم بأيديهم لمجرد ضبطه متلبسًا بالجريمة؟

الإجابة التي يفرضها منطق الدولة القانونية واضحة: القبض على المتهم شيء، ومعاقبته أمر آخر تمامًا.

القانون وحده يملك سلطة العقاب

يقوم النظام القانوني على قاعدة أساسية مفادها أن التجريم والعقاب لا يكونان إلا وفق القانون، وأن توقيع العقوبة من اختصاص القضاء والجهات المختصة، وليس من اختصاص الأفراد.

فحتى الشخص الذي يتم ضبطه متلبسًا بجريمة لا يتحول بمجرد ضبطه إلى شخص مباح الاعتداء عليه، وإنما يظل متهمًا إلى أن تثبت مسؤوليته وفق الإجراءات القانونية.

وتظهر أهمية هذه القاعدة في عدد من النصوص القانونية المصرية التي تضع حدودًا واضحة للتعامل مع الأشخاص المقبوض عليهم أو المحتجزين.

فقد نصت المادة 280 من قانون العقوبات على تجريم القبض أو الحبس أو الحجز على الأشخاص دون أمر من أحد الحكام المختصين بذلك، وفي غير الأحوال التي تصرح فيها القوانين واللوائح بالقبض على ذوي الشبهة.

وبالتالي، فإن احتجاز شخص وتقييده دون سند قانوني يمكن أن يشكل جريمة مستقلة، حتى إذا كان هذا الشخص مشتبهًا في ارتكابه جريمة أخرى.

أما الاعتداء البدني، فقد عالجته المادتان 241 و242 من قانون العقوبات، حيث تجرّم النصوص صور الضرب والجرح وإعطاء المواد الضارة وما يترتب عليها من عجز أو مرض، مع اختلاف العقوبة بحسب جسامة الإصابة والنتائج المترتبة عليها.

وهنا تتضح المفارقة: قد يبدأ المواطن بمحاولة الإمساك بشخص يشتبه في سرقته، لكنه إذا تجاوز الحدود القانونية وتحول الأمر إلى ضرب أو إيذاء أو احتجاز غير مشروع، فقد يجد نفسه أمام مسؤولية جنائية عن أفعال ارتكبها بنفسه.

التلبس لا يعني سقوط حقوق المتهم

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن ضبط شخص متلبسًا بجريمة يعني أنه فقد كل حقوقه.

والحقيقة أن التلبس يختلف تمامًا عن الإدانة.

فالقانون يسمح، في حالات محددة، باتخاذ إجراءات لضبط المتهم وتسليمه إلى السلطات، لكنه لا يمنح الأفراد سلطة التحقيق معه أو إجباره على الاعتراف أو توقيع العقوبة عليه.

وهنا تأتي أهمية المادة 37 من قانون الإجراءات الجنائية، التي تقرر في حالات التلبس التي حددها القانون أن من يشاهد الجاني متلبسًا بجناية أو جنحة يجوز له أن يسلمه إلى أقرب رجل من رجال السلطة العامة.

والدلالة الأساسية لهذا النص أن دور المواطن هو التحفظ على المتهم وتسليمه للسلطة المختصة، وليس الانتقال من مرحلة الضبط إلى مرحلة العقاب.

فالإمساك بالمتهم لمنعه من الهرب شيء، وضربه أو تعذيبه أو إهانته شيء آخر.

بين «الضبط» و«العقوبة» مسافة لا يجوز تجاوزها

يمكن تصور الأمر ببساطة:

إذا شاهد مواطن شخصًا يرتكب جريمة، فإن الأولوية هي منع استمرار الجريمة، والحيلولة دون هروب مرتكبها، وإبلاغ الشرطة وتسليمه للجهات المختصة.

لكن بمجرد السيطرة على الموقف، لا يصبح للمواطن الحق في تقرير العقوبة.

لا يملك أن يقول: سأضربه عشر ضربات لأنه سرق.

ولا يملك أن يقيّده في مكان عام لإذلاله.

ولا يملك أن يصوره وينشر صورته باعتباره «مجرمًا» قبل أن تقول جهات التحقيق والقضاء كلمتها.

فهنا ينتقل المواطن من مساعدة القانون إلى الحلول محل القانون.

وهذا هو الخط الأحمر الذي يجب ألا يتجاوزه أحد.

الدفاع الشرعي ليس مبررًا للانتقام

يختلط مفهوم الدفاع الشرعي أحيانًا بمفهوم الانتقام.

والفارق بينهما جوهري.

فالدفاع الشرعي يرتبط بمواجهة اعتداء قائم أو خطر حالّ، ويكون الهدف منه دفع الخطر وفق الضوابط التي يحددها القانون.

أما الانتقام فيأتي بعد انتهاء الخطر والسيطرة على الشخص.

فإذا كان شخص يعتدي على مواطن، فقد يكون من المشروع اتخاذ ما يلزم لوقف الاعتداء في إطار شروط الدفاع الشرعي.

لكن إذا انتهى الاعتداء وتمت السيطرة على المعتدي، فإن الاستمرار في ضربه أو إيذائه لا يتحول إلى دفاع شرعي لمجرد أنه ارتكب جريمة.

الدفاع الشرعي غايته دفع الخطر، وليس توقيع العقوبة.

لماذا يجرّم القانون «عقوبة الشارع»؟

السبب لا يتعلق فقط بحماية المتهم، وإنما بحماية المجتمع لأسبابٍ عدة كالتالي:

أولًا: منع الفوضى

إذا أصبح لكل شخص الحق في تحديد من هو المذنب وتحديد العقوبة وتنفيذها، فسوف يتحول المجتمع إلى ساحة للانتقام الشخصي.

وقد يكون الشخص المتهم بريئًا، أو قد تكون الواقعة نتيجة سوء فهم، أو قد يكون الاتهام نفسه ملفقًا بسبب خلاف سابق.

ثانيًا: حماية كرامة الإنسان

حتى الشخص المتهم بارتكاب جريمة لا يفقد حقه في المعاملة الإنسانية.

فإثبات الجريمة والعقوبة عليها لهما إجراءات محددة، ولا يجوز أن تتحول لحظة الغضب إلى مبرر للإهانة أو التعذيب أو المعاملة القاسية.

ثالثًا: الحفاظ على أدلة الجريمة

الاعتداء على المتهم قد يؤدي إلى إصابته إصابات خطيرة، وربما إلى وفاته في بعض الحالات.

وعندها لا نكون فقط أمام اعتداء على إنسان، وإنما أمام واقعة جديدة قد تعرقل التحقيق في الجريمة الأصلية وتؤثر في الوصول إلى الحقيقة.

رابعًا: عدم تحويل الضحية إلى متهم

قد يبدأ الأمر بشخص يحاول حماية ممتلكاته أو منع جريمة، ثم يتحول بسبب الإفراط في استخدام القوة إلى متهم في واقعة ضرب أو احتجاز أو إيذاء.

وهكذا يمكن أن يتحول من كان يحاول حماية حقه إلى طرف في جريمة جديدة.

مواقع التواصل.. عندما تتحول الواقعة إلى تشهير

لم يعد الأمر يتوقف عند لحظة الاعتداء.

فالهاتف المحمول أصبح حاضرًا في معظم الوقائع، وقد يتم تصوير الشخص أثناء تقييده أو ضربه أو إهانته، ثم نشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.

وهنا تظهر مشكلة أخرى: هل أصبح التشهير جزءًا من العقوبة؟

نشر مقاطع الاعتداء على الأشخاص لا يحقق العدالة، وإنما قد يسهم في صناعة ما يمكن وصفه بـ«المحاكمة الشعبية الرقمية»، حيث تتم إدانة الشخص أمام آلاف أو ملايين المتابعين قبل أن تبدأ الإجراءات القانونية أصلًا.

كما أن انتشار هذه المقاطع يمكن أن يغذي ثقافة العنف والعقاب الجماعي، ويجعل الاعتداء على المتهم يبدو سلوكًا مقبولًا طالما أن الجمهور متعاطف مع الواقعة.

وهذا خطر لا ينبغي الاستهانة به.
حق المجتمع في الأمن لا يتعارض مع حقوق المتهم
من الطبيعي أن يطالب المجتمع بالأمن، ومن حق الضحايا أن يحصلوا على حقوقهم، ومن واجب الدولة أن تواجه الجريمة بحزم.

لكن الحزم في مواجهة الجريمة لا يعني السماح بالعقاب خارج القانون.

فالعدالة لا تعني التساهل مع الجريمة، وإنما تعني أن الجريمة تُواجه من خلال مؤسسات الدولة المختصة.

الشرطة تضبط، والنيابة تحقق، والقضاء يحكم، والجهات المختصة تنفذ العقوبة.

أما المواطن، فدوره أن يساعد في منع الجريمة والإبلاغ عنها وتسليم المتهم للجهات المختصة في الحالات التي يسمح بها القانون.

وأخيرا وليس آخرا لا يجوز أن يتحول الغضب إلى عقوبة

الغضب من الجريمة مفهوم، والخوف على الممتلكات والأنفس مشروع، والرغبة في حماية المجتمع أمر طبيعي.

لكن أمن المجتمع لا يتحقق بالعنف المضاد، وإنما بسيادة القانون.

إن المادة 37 من قانون الإجراءات الجنائية تمنح المواطن في الحالات التي حددها القانون وسيلة للمساهمة في ضبط المتهم المتلبس وتسليمه إلى السلطة العامة، لكنها لا تمنحه سلطة العقاب.

وفي المقابل، فإن المادة 280 من قانون العقوبات تضع قيودًا على القبض والحجز غير المشروع، بينما تجرّم المادتان 241 و242 الاعتداء البدني وما يترتب عليه من إصابات وفق الأحوال التي حددها القانون.

ومن ثم فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى المجتمع واضحة:

أوقف الجريمة، امنع الهروب في حدود القانون، أبلغ الشرطة، وسلّم المتهم للجهات المختصة.. لكن لا تعاقبه.

فتجريم الاعتداء على الأشخاص المضبوطين متلبسين ليس دفاعًا عن المجرمين، وإنما هو حماية للمجتمع من الفوضى والانتقام والخطأ.

الدولة وحدها تملك سلطة العقاب، ووظيفتنا كمواطنين أن نساعد في تطبيق القانون، لا أن ننوب عنه.

فحين يتحول الشارع إلى محكمة، والجمهور إلى قاضٍ، والغضب إلى عقوبة، فإننا لا نحمي العدالة.. بل نضع سيادة القانون نفسها أمام الخطر.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *