د. ماجدة محمود
لم تعد الفوضى في زمننا تبدأ بالضرورة من ميدان مزدحم أو من هتاف في شارع، فقد تبدأ من شاشة هاتف صغيرة، ومن منشور مجهول المصدر، أو مقطع مجتزأ، أو صفحة تمتلك القدرة على الوصول إلى آلاف المواطنين في دقائق. تبدأ القصة بمعلومة، ثم تتحول المعلومة إلى شائعة، وتتحول الشائعة إلى غضب، ويصبح الغضب في لحظة ما وقودًا لمشهد أكبر بكثير من الأشخاص الذين شاركوا في صناعته. وهذه هي الخطورة التي يجب أن ينتبه إليها المصريون اليوم، وهم يتابعون الجدل الدائر حول بعض الصفحات الإلكترونية وما أعلنته وزارة الداخلية بشأن القائمين عليها.
وزارة الداخلية أعلنت، وفق روايتها الرسمية، ضبط عدد من القائمين على إحدى الصفحات، وقالت إن تحرياتها توصلت إلى معلومات تتعلق بطريقة إدارة الصفحة ومصادر تمويلها وصلاتها، وإن الإجراءات تمت في إطار قانوني وبالتنسيق مع جهات التحقيق. وهنا يجب أن نتوقف أمام قاعدة بسيطة لا يجوز أن تضيع وسط الضجيج: التحريات ليست حكمًا قضائيًا، والاتهام ليس إدانة، لكن في الوقت نفسه فإن قيام أجهزة الدولة بواجبها في التحري وجمع المعلومات والتحقق منها واتخاذ الإجراءات القانونية لا ينبغي أن يتحول هو نفسه إلى سبب للهجوم على الدولة أو على وزارة الداخلية.
إذا كانت المعلومات التي توصلت إليها الأجهزة صحيحة، فالقانون يجب أن يأخذ مجراه، وإذا لم تثبت، فجهات التحقيق والقضاء هما صاحبا الكلمة. وفي الحالتين لا يجوز أن نحاكم أحدًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لا بالإدانة ولا بالبراءة.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: لماذا يتحول قيام وزارة الداخلية بواجبها في حماية الأمن العام والتحقق من معلومات تتعلق بنشاط إلكتروني إلى معركة ضد الوزارة نفسها؟ ولماذا يتعامل البعض مع أي إجراء أمني باعتباره اعتداءً على حرية الصحافة قبل أن تظهر نتائج التحقيقات؟
الدفاع عن الصحفيين وحقوقهم النقابية حق أصيل، ولا خلاف على ذلك. ومن حق نقابة الصحفيين أن تتابع أوضاع أي عضو من أعضائها وأن تتأكد من احترام حقوقه القانونية، وأن تطالب بالشفافية وسلامة الإجراءات. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين الدفاع النقابي عن عضو في النقابة وبين تبني موقف سياسي مسبق من قضية تضم أشخاصًا ليسوا جميعًا أعضاء في النقابة.
فإذا كانت الواقعة تضم عددًا من الأشخاص وكان من بينهم صحفي واحد مقيد بالنقابة، فإن الحماية النقابية يجب أن تنصرف إلى ضمان حقوق هذا الصحفي، لا إلى إصدار حكم مسبق على القضية بأكملها، ولا إلى تحويل النقابة إلى ساحة مواجهة مع مؤسسات الدولة.
وهنا يجب أن نكون أكثر حذرًا؛ لأننا لا نعيش في فراغ سياسي أو أمني. نحن في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية سقوط دول وانهيار مؤسسات وصراعات داخلية وتدخلات خارجية، ورأينا كيف يمكن أن تتحول الخلافات السياسية إلى فوضى، وكيف يمكن أن يصبح الإعلام، إذا غابت عنه المهنية، أداة لتأجيج الانقسام بدلًا من أن يكون وسيلة لكشف الحقيقة.
ولذلك فإن الحديث عن احتمال وجود تمويل خارجي أو توجيه من خارج البلاد لبعض الصفحات أو الأنشطة الإلكترونية يجب أن يخضع للدليل والتحقيق، لا للانطباعات. فإذا ثبت وجود تمويل أو توجيه يستهدف زعزعة الاستقرار أو التحريض على الفوضى، فهذه مسألة خطيرة تتعامل معها الدولة وفق القانون. وإذا لم تثبت، فليأخذ أصحاب الاتهامات حقهم كاملًا في الدفاع عن أنفسهم. أما تحويل الاتهامات المتبادلة إلى حقائق نهائية قبل انتهاء التحقيقات، فهو ظلم للعدالة قبل أن يكون ظلمًا لأي طرف.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الصفحة أو الشخص أو المنشور، وإنما في قابلية المجتمع نفسه للانجرار وراء المعلومة دون تحقق. وهنا يأتي دور المواطن المصري.
لقد عشنا جميعًا تجربة 2011، ونعرف أن الأحداث الكبرى لا تبدأ دائمًا بالصورة التي تنتهي إليها. تبدأ أحيانًا بتراكم الغضب، وبمعلومات متداولة لا يعرف أحد مصدرها، وبحملات إلكترونية تخلق إحساسًا بأن الجميع يتبنى موقفًا واحدًا، ثم يصبح النزول إلى الشارع نتيجة طبيعية لحالة نفسية تم إعدادها تدريجيًا.
ولا يعني ذلك أن كل من شارك في أحداث 2011 كان جزءًا من مؤامرة، ولا أن كل معارض للدولة يريد الفوضى، فهذا تبسيط للتاريخ لا يخدم الحقيقة. لكن الدرس الذي لا يجوز أن ننساه هو أن انهيار الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة يمكن أن يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، وأن الفوضى عندما تبدأ لا يملك أحد ضمان نتائجها.
اليوم تغيرت الأدوات. لم يعد الأمر يحتاج إلى حشد كبير في مكان واحد. هاتف واحد يستطيع نشر رواية تصل إلى ملايين الأشخاص، وحساب واحد يمكن أن يصنع حالة من الغضب، ومقطع مدته دقائق يمكن أن يُقتطع من سياقه ويُعاد نشره حتى يصبح لدى البعض حقيقة كاملة.
ولهذا فإن الوعي أصبح جزءًا من الأمن القومي.
لا تصدق كل ما تقرأ، ولا تشارك كل ما يصلك، ولا تجعل موقفك السياسي معيارًا للحقيقة. إذا كانت المعلومة ضد خصمك فلا يعني ذلك أنها صحيحة، وإذا كانت لصالح موقفك فلا يعني ذلك أنها موثقة. الحقيقة لا تتغير حسب رغبتنا فيها.
وفي الوقت نفسه، فإن الحفاظ على الدولة لا يعني إسكات النقد. مصر تحتاج إلى صحافة حرة ومهنية، وإلى نقابات قوية، وإلى مؤسسات تسمح بالنقد والمساءلة. لكن الحرية لا تعني نشر الاتهام دون دليل، والنقد لا يعني التحريض، والدفاع عن الحقوق لا يعني الصدام مع مؤسسات الدولة.
إن مصر اليوم ليست مجرد دولة تحاول الحفاظ على استقرارها؛ إنها دولة تعيش في منطقة شديدة الاضطراب، ومع ذلك حافظت على مؤسساتها واستمرت في بناء قدراتها ومشروعاتها، وأصبحت ملاذًا لملايين من أبناء المنطقة الذين وجدوا فيها الأمن والاستقرار بعد أن فقدوه في بلادهم.
ولهذا فإن الحفاظ على مصر ليس مسؤولية وزارة الداخلية وحدها، ولا مسؤولية الجيش وحده، ولا مسؤولية الحكومة وحدها. إنها مسؤولية كل مواطن يعرف أن الدولة ليست مجرد مبانٍ ومؤسسات، وإنما هي الإطار الذي يحمي المجتمع نفسه.
نحن لا نريد دولة تخشى النقد، ولا إعلامًا يخشى الحقيقة، ولا نقابة تتخلى عن أعضائها. وفي الوقت نفسه لا نريد إعلامًا يتحول إلى منصة للتحريض، ولا نقابة تتحول إلى ساحة للصراع السياسي، ولا مواطنًا يتحول إلى أداة في حملة إلكترونية لا يعرف مصدرها ولا أهدافها.
فلتُعرض الأدلة، ولتجرِ التحقيقات، وليقل القضاء كلمته، وليحصل كل صاحب حق على حقه. أما الشائعات فلا ينبغي أن تكون محكمة، ومواقع التواصل لا ينبغي أن تكون نيابة، والغضب الشعبي لا ينبغي أن يصبح وسيلة لإصدار أحكام قبل أن تظهر الحقيقة.
قد تتغير الوجوه، وقد تتغير الأدوات، وقد ينتقل الصراع من الميدان إلى الفضاء الإلكتروني، لكن مصر تعلمت من السنوات الماضية أن حماية الدولة تبدأ من حماية وعي المواطن.
فلا تعيدوا إنتاج الفوضى من خلف شاشات الهواتف. لا تمنحوا الشائعة قوة الحقيقة، ولا تسمحوا لأحد أن يستخدم غضبكم في معركة لا تعرفون حقيقتها.
مصر ليست صفحة على موقع إلكتروني، وليست منشورًا عابرًا، وليست حملة يمكن أن تبدأ بضغطة زر وتنتهي بضغطة زر.
مصر دولة لها شعب ومؤسسات وقانون، وستظل أقوى من الشائعة، وأكبر من أي صفحة، وأوعى من أن تنجر إلى الفوضى مرة أخرى.
تحيا مصر.. شعبًا ودولةً وجيشًا وشرطةً وقضاءً ومؤسسات. 🇪🇬
