د. ماجدة محمود… تكتب
قد يمتلك الإنسان المال، والمنصب، والشهرة، ويعيش في بيت جميل، وتحيط به وسائل الراحة من كل جانب، ومع ذلك يستيقظ كل صباح وهو يشعر أن شيئًا ما ينقصه، شيئًا لا يراه بعينيه، لكنه يشعر بثقله في قلبه. وقد يبتسم أمام الناس، بينما يعيش في داخله صمتًا لا يسمعه أحد. هذه هي الحالة التي حاول جيفري لانج أن يقترب منها في كتابه «ضياع ديني»، ليس باعتبارها أزمة دينية فحسب، بل باعتبارها أزمة إنسانية يعيشها ملايين البشر في عالم يزداد تقدمًا، بينما يزداد الإنسان فيه وحدةً وحيرة.
لم يكن لانج يقصد بضياع الدين أن يتخلى الإنسان عن عقيدته أو يترك دور العبادة، بل كان يقصد شيئًا أكثر عمقًا. فقد يفقد الإنسان المعنى وهو ما يزال يصلي، وقد يبتعد عن الله وهو يردد اسمه بلسانه، لأن المشكلة الحقيقية لا تبدأ عندما تغيب الكلمات، وإنما عندما يغيب حضور القلب.
ويرى جيفري لانج أن أخطر ما أصاب الإنسان المعاصر أنه أصبح يقيس نفسه بما يملك، لا بما هو عليه. فأصبحت القيمة تُقاس بالحسابات البنكية، وعدد المتابعين، والمناصب، والصور التي ينشرها الناس عن حياتهم، بينما تراجعت قيمة الصدق، والسكينة، والرحمة، والرضا. ومع مرور الوقت امتلأت الحياة بالضجيج، لكنها فرغت من المعنى.
ويتوقف طويلًا أمام سؤال مؤلم: لماذا ترتفع معدلات الاكتئاب والقلق والانتحار في بعض أكثر المجتمعات تقدمًا وثراءً؟ لا يقدم إجابة واحدة، لكنه يرى أن الإنسان إذا عرف كيف يصنع الأشياء، ولم يعرف لماذا يعيش، فإنه سيظل يشعر بالفراغ مهما حقق من إنجازات. فالعلم يمنحنا الوسائل، لكنه لا يمنحنا الغاية، والتكنولوجيا تختصر المسافات، لكنها لا تملأ الفراغ الذي يتركه غياب المعنى.
ومن أجمل الأفكار التي يناقشها أن الإنسان لا يموت فقط عندما يتوقف قلبه عن النبض، بل قد يموت داخليًا وهو ما يزال يمارس حياته اليومية. يمشي، ويعمل، ويضحك، ويتحدث، لكنه فقد شغفه، وفقد دهشته، وفقد علاقته بنفسه وبخالقه. وهنا يصبح الدين، في نظر لانج، ليس مجموعة أوامر ونواهٍ، بل القوة التي تعيد الروح إلى القلب، وتعيد للإنسان إحساسه بأنه جزء من رسالة أكبر من حدود عمره القصير.
ولذلك يؤكد أن القرآن لا يخاطب الإنسان باعتباره آلة تنتج وتستهلك، وإنما باعتباره روحًا تحتاج إلى الغذاء كما يحتاج الجسد إلى الطعام. ولهذا تتكرر في القرآن الدعوة إلى التفكر، والتذكر، والخشوع، والسكينة، لأن الإنسان إذا انشغل بكل شيء إلا نفسه، فقد نفسه دون أن يشعر.
ويحذر جيفري لانج من وهم خطير يعيشه كثيرون، وهو تأجيل الحياة الحقيقية. فيقول الإنسان: سأرتاح عندما أجمع المال، أو عندما أصل إلى المنصب، أو عندما أكبر، لكنه يكتشف في كل مرة أن الهدف الذي وصل إليه فتح أمامه هدفًا آخر، فيظل يركض دون أن يعرف إلى أين. وهكذا يتحول النجاح نفسه إلى سباق لا نهاية له، بينما يبقى القلب ينتظر لحظة سلام لا تأتي إلا عندما يعرف الإنسان لماذا خُلق، وإلى أين يمضي.
ولعل الرسالة التي تتكرر بين سطور الكتاب هي أن الإنسان لا يحتاج إلى دين جديد، بل يحتاج إلى أن يعيد اكتشاف الدين الذي يوقظ قلبه، ويحرر روحه من عبودية الأشياء. فالإيمان ليس هروبًا من الحياة، بل هو الطريق الذي يمنح الحياة معناها، ويجعل العمل عبادة، والعلم رسالة، والنجاح وسيلة لا غاية، والابتلاء بابًا للنضج لا سببًا لليأس.
إن جيفري لانج لا يكتب في هذا الكتاب عن المسلمين وحدهم، ولا عن الغرب وحده، بل يكتب عن الإنسان أينما كان. عن ذلك القلب الذي يبحث عن الطمأنينة في الأسواق فلا يجدها، ويبحث عنها في الشهرة فلا يجدها، ويبحث عنها في القوة فلا يجدها، ثم يكتشف متأخرًا أن السلام الذي ظل يطارده في الخارج كان ينتظره منذ البداية في داخله، يوم يعرف ربه حق المعرفة.
وربما كانت الرسالة الأعمق التي أراد جيفري لانج أن يتركها لنا هي أن ضياع الإنسان لا يبدأ يوم يبتعد عن الدين، بل يبدأ يوم يبتعد عن نفسه. ففي تلك اللحظة يصبح كل شيء حوله أكبر من داخله؛ العمل، والمال، والمناصب، والضجيج، والسباق الذي لا ينتهي، حتى ينسى السؤال الوحيد الذي خُلق ليجيب عنه: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟
لقد استطاع الإنسان أن يصل إلى القمر، وأن يختصر العالم في شاشة صغيرة، وأن يطيل متوسط العمر، لكنه ما زال عاجزًا عن أن يشتري لحظة طمأنينة واحدة، أو أن يصنع لقلبه سلامًا دائمًا. لأن الطمأنينة ليست اختراعًا بشريًا، بل هبة إلهية، يمنحها الله لمن عرفه، واطمأن إليه، وأيقن أن قيمة الحياة لا تُقاس بما نملك، بل بما نحمله في قلوبنا.
ولهذا لم يكن جيفري لانج يبحث في نهاية رحلته عن إجابات جديدة، بل كان يبحث عن قلب جديد؛ قلب يرى الدنيا كما هي، طريقًا لا وطنًا، ووسيلة لا غاية، واختبارًا لا إقامة دائمة. وعندما وجد هذا القلب، أدرك أن أعظم اكتشاف في حياته لم يكن اكتشاف فكرة، بل اكتشاف الله.
ولعلنا جميعًا، مهما اختلفت طرقنا وتجاربنا، سنصل يومًا إلى الحقيقة نفسها: أن الإنسان قد يضل الطريق إلى العالم ثم يجده، لكنه إذا ضل الطريق إلى الله، فلن يجد نفسه مهما امتلك من أسباب القوة والنجاح.
وفي رحلتنا القادمة، لن نقرأ كتابًا جديدًا، بل سنقف أمام التجربة كلها، لنكتشف كيف تحولت رحلة عقلٍ كان يبحث عن البرهان إلى قلبٍ وجد اليقين، وكيف أصبح جيفري لانج شاهدًا على أن العقل الصادق لا يقود بعيدًا عن الله بل يقود إليه.
magy-news@hotmail.com
