د. أنس عضيبات
توقفت عقارب الساعة في ردهات الكثير من المنازل، ولم تعد جدرانها تصدى بضحكات الأطفال، بل باتت تسكنها “شيخوخة” مبكرة فرضتها الأرقام لا الأعمار، حيث إن ظاهرة تأخر سن الزواج لم تعد مجرد خيار شخصي أو “تريند” اجتماعي، بل تحولت إلى أزمة بنيوية تهدد حيوية المجتمع؛ حيث يقف الشباب مكتوفي الأيدي أمام جدران من التكاليف الباهظة والشروط التعجيزية، مما جعل “القفص الذهبي” حلماً بعيد المنال، وحوّل البيوت التي كانت تنبض بالحياة إلى مساحات للصمت والترقب.
خلف هذه الأبواب المغلقة، تنمو تداعيات اجتماعية ونفسية لا تخطئها العين؛ فالعزوف الاضطراري عن الارتباط أدى إلى حالة من “الاغتراب العاطفي” لدى جيل كامل، وجعل القلق من المستقبل هو الضيف الدائم على مائدة الشباب، وهذا التأخر ليس مجرد تأجيل لموعد حفل زفاف، بل هو بتر لسنوات العطاء النفسي والبدني، وزيادة في الفجوة الجيلية التي تجعل من تربية الأبناء في سن متأخرة تحدياً مضاعفاً، يرهق كاهل الآباء ويحرم الأبناء من حيوية الوالدين في أوج طاقتهما.
وعلى الصعيد الديموغرافي، نحن أمام إنذار حقيقي بـ “شيخوخة المجتمع”؛ فتناقص معدلات الخصوبة وتراجع أعداد المواليد يعني انكماش الهرم السكاني، مما يهدد القوة الإنتاجية للدولة مستقبلاً، كما إن استمرار هذا النزيف الاجتماعي يعني أننا قد نجد أنفسنا في مواجهة مجتمعات تكتظ بكبار السن مع نقص حاد في الشباب القادر على دفع عجلة التنمية، مما يضع أنظمة الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية أمام اختبارات قاسية لم تكن في الحسبان.
إن جذور هذه المشكلة تضرب عميقاً في تربة “المظاهر الزائفة”؛ حيث تحول الزواج من ميثاق غليظ لبناء الإنسان إلى “استعراض اقتصادي” يرهق كاهل العريس ويستنزف مدخرات العائلة، ولقد باتت تفاصيل “الجهاز” وقائمة “المنقولات” وصالات الأفراح هي المعايير التي يُقاس بها نجاح الارتباط، في مفارقة عجيبة تجعلنا نضحي باستقرار جيل كامل من أجل ليلة واحدة من البهرجة، متناسين أن المتانة الحقيقية للبيوت تُبنى على المودة والرحمة، لا على قيمة الفواتير والديون.
إن إنقاذ البيوت من “شيخوخة” الصمت يتطلب ثورة شاملة في الوعي المجتمعي، تبدأ من طاولة المفاوضات بين الآباء وتنتهي بتشريعات ومبادرات وطنية تيسر سبل الحلال، وعلينا أن ندرك أن “تيسير المهور” ليس انتقاصاً من قيمة المرأة، بل هو استثمار في كرامة المجتمع وحماية لمستقبله، فإذا لم نكسر قيود التكاليف اليوم، سنبكي غداً على بيوت خالية من صخب الحياة، وعلى مجتمع فقد أعظم ثرواته: “الإنسان”.
