د. علي الدكروري يكتب:
في عالم يتسم بتسارع التحولات وتزايد الضبابية في المشهد الدولي، لم تعد التحركات العسكرية تُقرأ فقط من زاوية المواجهة، بل أصبحت جزءًا من لغة أوسع تتحدث بها الدول عن رؤيتها للأمن والاستقرار.
وفي هذا السياق، تكتسب التحركات التي تشهدها سيناء أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها نشاطًا عسكريًا داخليًا، بل كرسالة استراتيجية تحمل أبعادًا تتجاوز حدود الجغرافيا.
القوات المسلحة المصرية، بقيادة القائد الأعلى للقوات المسلحة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تقدم نموذجًا يعكس فلسفة تقوم على الاستباق، حيث لا يُترك الأمن للظروف، بل يُبنى على الجاهزية المستمرة والتخطيط طويل المدى.
هذا النهج يعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة التحديات الحديثة، التي لم تعد تقليدية أو واضحة، بل أصبحت مركبة ومتشابكة، ما يفرض على الدول إعادة تعريف أدواتها في إدارة المخاطر.
ومن منظور أوروبي، فإن أي تحرك يعزز الاستقرار في منطقة شرق المتوسط والحدود الجنوبية لأوروبا، يُعد عامل توازن مهم، خاصة في ظل الترابط المتزايد بين ملفات الأمن والطاقة والهجرة.
فاستقرار هذه المنطقة لم يعد شأنًا محليًا، بل جزءًا من معادلة أوسع تؤثر بشكل مباشر على القارة الأوروبية، سواء من حيث تدفقات الطاقة أو استقرار الأسواق أو إدارة التحديات الأمنية.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل ما يحدث في سيناء عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تلعب الجاهزية العسكرية دورًا محوريًا في تقليل احتمالات التصعيد، وتعزيز مناخ الاستقرار.
اللافت في التجربة المصرية، أن مفهوم القوة لا يُختزل في القدرات العسكرية فقط، بل يمتد إلى عقيدة وطنية راسخة، يظهر فيها التماسك المجتمعي بوضوح عندما يكون الحديث عن الأرض والسيادة.
هذا التماسك، إلى جانب الدور الذي تقوم به القوات المسلحة المصرية، يمنح الدولة قدرة إضافية على الحفاظ على استقرارها في بيئة إقليمية معقدة.
كما أن ما لا يُرى من عمل مؤسسي منظم، تقوده خبرات متراكمة داخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، يمثل أحد أهم عناصر القوة غير المباشرة، التي تعزز من كفاءة اتخاذ القرار وتدعم استمرارية الأداء.
وفي النهاية، لا تُقاس أهمية هذه التحركات بحجمها فقط، بل برسائلها.
رسالة مفادها أن الاستقرار ليس نتاج رد الفعل، بل نتيجة استعداد دائم.
ورسالة أخرى بأن الدول التي تدرك مبكرًا طبيعة التحولات، هي الأقدر على حماية مصالحها وصياغة موقعها في النظام الدولي.
وبالنسبة لأوروبا، فإن قراءة هذه الرسائل بدقة، لم تعد خيارًا… بل ضرورة.
في عالم مضطرب، لا تُصنع المكانة بالقوة فقط بل بالجاهزية التي تمنع الحاجة لاستخدامها.
