القائمة

سيكولوجية دفاع قاصرة: والمدان ذووها ومجتمعها

Linda Seleem شهر واحد مضت 0 4.7 ألف

بقلم د. ليندا سليم

في عالم افتراضي يقتات على النهش الرقمي والمحاكمات السريعة، تحولت صورة فتاة لم تبلغ عامها الخامس عشر إلى وقود لغضب جماهيري عارم، طفلة قادت سيارة لتدهس بها فتاة أخرى كانت تكافح خلف عربة شاي تأميناً لقمة العيش، فتلتقطها عدسات الهواتف وهي ممسكة بهاتفها والابتسامة ترتسم على محياها،تلك الابتسامة التي اعتبرها المتابعون صك إدانة قاطعاً، ودليلاً على “تبلد وجحود مفرط”، فنُصبت لها مشانق الوعي الافتراضي وصدرت بحقها أحكام الإعدام المعنوي والاجتماعي

ولكن إذا نزعنا غشاوة الانفعال السطحي وغصنا في عمق السيكولوجية الإنسانية والمسؤولية البنيوية، سنكتشف أننا أمام مأساة مزدوجة، وأن هذه القاصرة القابعة في قفص الاتهام الافتراضي ليست سوى الحلقة الأضعف والضحية الأخيرة لمنظومة مشتركة أبطالها: ذووها ومجتمعها.

تفكيك “الابتسامة الصادمة”حين تصرخ الصدمة نكراناً

إن الابتسامة التي بدت للمجتمع “استهتاراً بالدم” ليست في عمق التحليل النفسي إلا آلية دفاع لا إرادية تُعرف بـ “الإنكار النفسي الصادم” (Shock-Induced Denial)

فعندما يواجه العقل الغض للقاصر حدثاً كارثياً يفوق طاقته الاستيعابية وقدرته على المعالجة الشعورية، يحدث انفصال مؤقت حاد عن الواقع (Dissociation)؛ كدرع أخير يمنع انهيار المنظومة العصبية بالكامل.

هذه الطفلة لم تكن تبتسم تشفياً أو بروداً، بل كانت تعيش حالة من “التجمد الشعوري” والذهول الذي يحجب عنها حقيقة أن حياتها وحياة إنسانة أخرى قد انتهت في بضع ثوانٍ. إن مطالبة طفلة في هذا السن بإظهار نضج انفعالي أو رد فعل متزن تحت وطأة الرعب والهلع، هو ذروة الجهل بطبيعة الطفولة وسيكولوجية الصدمات العميقة.

ذووها الجناة الحقيقيون في المقاعد الخلفية

إن الجريمة الحقيقية لم تبدأ في الشارع، بل صُنعت بعناية داخل جدران المنزل، وتحديداً في اللحظة التي قرر فيها أولياء الأمور التخلي عن دورهم الحمائي والتربوي وتحويله إلى تدليل قاتل:

صناعة أدوات الموت:

 إن تسليم مفتاح مركبة ثقيلة لطفلة لا تملك الوعي القانوني أو النضج العقلي لقيادتها، هو تماماً كمن يحشو مسدساً بالرصاص ويقدمه للطفل ليلهو به وسط الزحام.

الغياب الأخلاقي والرقابي: 

الأهل هنا هم من نزعوا من ابنتهم حس المسؤولية، وهم من وضعوها في مأزق حوّلها إلى “قاتلة” بالخطأ، وكان من الممكن جداً وبنفس النسبة أن يحولها إهمالهم إلى جثة هامدة داخل كيس إسعاف لولا ستر القدر. إن ذويها هم المقود الحقيقي الذي أدار الحادثة، وهم من يجب أن يقفوا خلف قضبان المساءلة الأخلاقية والقانونية.

مجتمعها من التواطؤ الصامت إلى الجلاد الرقمي

لا يمكن تبرئة المجتمع الذي يحيط بهذه المأساة، فهو شريك أصيل في الجرم عبر مستويين خطيرين:

التواطؤ الثقافي:

 المجتمع الذي يتسامح مع مظاهر طيش القاصرين، ويعتبر قيادة الأطفال للمركبات “وجاهة اجتماعية” أو دليلاً على الفهلوة والشجاعة المبكرة، هو المجتمع الذي يمهد الطريق لهذه الدماء.

التربص والنهش الرقمي:

 إن تحول المجتمع فجأة من دور المتفرج المتسامح إلى دور القاضي والجلاد الذي ينشر صورة طفلة ويصدر أحكاماً عشوائية بتدميرها، يعكس رغبة في التشفي الجماعي وتطهير الذات لا الرغبة في الإصلاح. هذا التربص يغتال أي فرصة لإعادة تأهيل القاصرة نفسياً، ويصنع منها مجرماً حقيقياً للمستقبل بعد أن كانت ضحية لإهمال كبارها.

رحلت فتاة عربة الشاي شهيدةً للقمة العيش وشاهدةً على عشوائية الواقع، ودُمرت حياة طفلة أخرى لأنها نُزعت من بيئة تحميها من طيشها ومجتمع يضبط سلوكها. إن المجرم الحقيقي لا يجلس خلف المقود، بل يختبئ في المقاعد الخلفية.. إنه الإهمال الأسري المغلف بالدلال، والتواطؤ المجتمعي المكسو باللامبالاة.

فلنوقف المشانق الرقمية ضد الصغار، ولنحاسب الكبار الذين استرخصوا أرواح البشر وسلموا أبناءهم أدوات الفاجعة!

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *