القائمة

“روتردام تُسقط تُهمة الإرهاب عن ناشط فلسطيني… والمحكمة تشكك في الأدلة القادمة من إسرائيل”

غرفة الأخبار 3 أسابيع مضت 0 7.7 ألف

في قاعة محكمة روتردام، لم تكن القضية التي وُضعت على طاولة القُضاة مجرد ملف مالي أو اتهام تقني بخرق العقوبات، بل واحدة من أكثر القضايا حساسية في هولندا خلال السنوات الأخيرة، حيث تداخل القانوني بالسياسي، والإنساني بالأمني، في ملف يتعلق بتمويل يُزعم أنه وصل إلى حركة حماس عبر نشاطات جمع تبرعات مرتبطة بالناشط الفلسطيني–الهولندي أمين أبو راشد.

القضية بدأت عندما اعتقلت السلطات الهولندية أبو راشد في مُنتصف عام 2023، بعد تحقيقات طويلة أشارت إلى شبهات حول تحويلات مالية تُقدَّر بملايين اليوروهات إلى مؤسسات يُعتقد أنها تعمل داخل غزة. النيابة العامة ذهبت إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن هذه الأموال لم تكن مجرد تبرعات إنسانية، بل جزء من شبكة دعم غير مباشر لكيان مصنف على قوائم الإرهاب في الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، منذ اللحظة الأولى، كان الدفاع يرفض هذا التوصيف بشكل قاطع، مؤكدًا أن ما جرى لا يتجاوز كونه نشاطًا إغاثيًا موجّهًا للأسر الفقيرة والأيتام في قطاع غزة عبر مؤسسات خيرية معروفة ومسجلة.

مع مرور الجلسات، بدأت الصورة داخل المحكمة تأخذ منحى أكثر تعقيدًا. الادعاء اعتمد على تقارير أمنية ومصادر خارجية، بعضها مُرتبط بالجانب الإسرائيلي، وهو ما أثار جدلًا قانونيًا واضحًا داخل قاعة المحكمة حول مدى حيادية هذه المواد وإمكانية الاعتماد عليها كأدلة جنائية صلبة.

وقد استغل الدفاع هذه النقطة بقوة، مشيرًا إلى أن أي معلومات صادرة عن أطراف منخرطة في نزاع مسلح لا يمكن أن تُعامل كحقائق قضائية دون تحقق مستقل ودقيق، خاصة عندما يتعلق الأمر بتهم قد تؤدي إلى عقوبات سجن طويلة.

محكمة روتردام، في حكمها النهائي، لم تذهب في اتجاه تبني رواية الادعاء. فقد خلصت إلى أن الأدلة المقدمة لا ترتقي إلى مستوى الإثبات المطلوب للإدانة في القانون الهولندي، وأن جزءًا من المواد المقدمة يفتقر إلى الموثوقية أو لا يمكن التحقق منه بشكل كافٍ. واعتبرت المحكمة أن الربط المباشر بين العمل الإغاثي في غزة وتمويل الإرهاب لم يتم إثباته بصورة قاطعة، وأن الشكوك القائمة لا تكفي لإصدار حكم إدانة.

هذا الموقف القضائي لم يكن مجرد تفصيل إجرائي، بل حمل دلالة أوسع تتعلق بكيفية تعامل المحاكم الأوروبية مع قضايا التمويل المرتبطة بمناطق النزاع، حيث تصبح مصادر المعلومات الاستخباراتية والمواد القادمة من أطراف سياسية جزءًا من معادلة قانونية شديدة الحساسية. المحكمة في روتردام بدت حذرة بشكل واضح من منح هذه المصادر وزنًا مطلقًا دون تدقيق مستقل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتجريم نشاط إنساني قد يكون في جوهره خارج إطار العمل العسكري أو السياسي المباشر.

ورغم أن الحكم انتهى إلى عدم إدانة أبو راشد بتهمة تمويل الإرهاب، إلا أن القضية لم تُغلق بالكامل من حيث النقاش العام. فهي أعادت طرح سؤال أوسع داخل هولندا وخارجها حول الحدود الفاصلة بين العمل الإغاثي والعمل السياسي، وحول مدى قدرة الأنظمة القانونية الأوروبية على التعامل مع ملفات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع السياقات الإنسانية في مناطق مثل غزة.

وبينما يرى مؤيدو الحكم أنه انتصار لمبدأ العدالة وقرينة البراءة وصرامة الإثبات الجنائي، يعتبره آخرون مؤشرًا على صعوبة ملاحقة شبكات التمويل غير المباشر في بيئات سياسية شديدة التعقيد. وفي كل الأحوال، بقيت رسالة المحكمة واضحة في جوهرها: في القضايا ذات الطابع الحساس، لا تكفي الشبهة ولا الانطباع، بل يجب أن يقوم الحكم على دليل ثابت لا يترك مجالًا للالتباس.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *