تقتضي حُرية النشر وحق القراء علينا نشر آرائهم دون تدخل من أسرة التحرير أن نُفسح المجال لرسالة من قارىء جاءت تعقيبا على مقالة لرئيس تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي جاءت على النحو التالي :
كتب | محمد الشيخ
المقال يطرح قضية حقيقية تستحق النقاش: التمييز ضد المسلمين موجود في هولندا، والمرأة المحجبة قد تواجه في بعض المواقف معاملة مختلفة بسبب وضوح هويتها الدينية. تجاهل هذه الحقيقة لن يكون منصفًا، تمامًا كما أن تضخيمها وتحويلها إلى صورة مستقبلية مخيفة لن يكون منصفًا أيضًا.
وهنا تحديدًا أرى أن مقال «الحجاب علامةً مكشوفة» يحتاج إلى وقفة نقدية هادئة.
فالمشكلة ليست في أن الكاتب تحدث عن التمييز أو التطرف اليميني؛ فهذه قضايا موجودة بالفعل وتتابعها المؤسسات الهولندية. المشكلة في الطريقة التي انتقل بها المقال من واقع يمكن قياسه بالأرقام إلى سيناريو افتراضي شديد الخطورة: أن يصبح حجاب المرأة المسلمة يومًا ما بمثابة «علامة تعريف» تجعلها هدفًا إذا اندلعت «فتنة اجتماعية كبرى».
بين النقطتين مسافة كبيرة جدًا كان يجب ألا تُقطع بالافتراض وحده.
فالواقع الهولندي الحالي يقول أشياء أكثر تعقيدًا وتوازنًا.
هناك بالفعل تمييز ضد المسلمين. وفق Veiligheidsmonitor 2025، أي «مراقبة السلامة والأمن» التي يصدرها المكتب المركزي للإحصاء CBS بالتعاون مع وزارة العدل والأمن، قال 29.7% من المسلمين المشاركين إنهم شعروا بالتمييز خلال الاثني عشر شهرًا السابقة. وهي نسبة لا يجوز التقليل منها.
كما سجلت الشرطة في عام 2025 عدد 414 واقعة مرتبطة بالتمييز ضد المسلمين، وكان أكثر من ربع هذه التسجيلات متعلقًا بنساء يرتدين الحجاب، كما تلقت جهات مكافحة التمييز أكثر من مئة بلاغ لنساء تعرضن للرفض أو الإهانة أو الإقصاء بسبب حجابهن.
هذه أرقام جادة ومقلقة، ويجب التعامل معها بجدية.
لكنها تقول لنا شيئًا محددًا: إن هناك مشكلة تمييز.
ولا تقول لنا إن المرأة المحجبة في هولندا أصبحت مهددة أمنيًا لمجرد سيرها في الشارع، ولا أن المجتمع الهولندي يتجه نحو وضع تصبح فيه المحجبة «هدفًا مرئيًا» بصورة تشبه ما يوحي به المقال.
بل إن نفس إحصاءات الشرطة تظهر أن الغالبية الكبيرة من تسجيلات التمييز الديني في 2025 كانت متعلقة بالأقوال والتصريحات: 324 واقعة من أصل 480 تسجيلًا للتمييز على أساس الدين. هذا لا يجعلها مقبولة، لكنه يوضح أهمية التفريق بين الإهانة والتمييز من جهة، والعنف الجسدي المنظم أو الاضطهاد الجماعي من جهة أخرى.
وهذا التفريق يكاد يضيع في المقال.
عندما تقرأ امرأة محجبة سلسلة من العبارات عن «العلامة المرئية»، ثم «الهدف المرئي»، ثم التطرف، ثم العنف، ثم نجمة داود، ثم النازية والمحرقة، ثم «الفتنة الكبرى»؛ فمن الطبيعي أن يكون الأثر النفسي للنص أكبر بكثير مما تقوله البيانات الفعلية.
وهنا لا أتحدث عن نية الكاتب، فالنيات لا يمكن الحكم عليها من مقال. أتحدث عن أثر طريقة الكتابة نفسها.
والاستعانة بنجمة داود مثال واضح.
الكاتب يؤكد، وبشكل صحيح، أن هناك فرقًا جوهريًا بين الحجاب الذي تختاره المرأة بحرية وبين النجمة التي أجبرت الدولة النازية اليهود على ارتدائها بهدف التمييز والاضطهاد.
ولكن إذا كان الفرق بهذا الوضوح، فمن المشروع أن نسأل: ماذا يضيف استحضار هذا المثال إلى فهم واقع المرأة المحجبة في هولندا اليوم؟
صحفيًا، المقارنات التاريخية شديدة القسوة تحتاج إلى قدر مماثل من الأدلة.
مجرد القول «أنا لا أساوي بين الحالتين» لا يمنع الصورة التاريخية من التأثير في القارئ. فربط الحجاب، ولو بصورة تحذيرية، بعلامة استخدمت في واحدة من أبشع عمليات الاضطهاد في التاريخ الأوروبي يرفع الإحساس بالخطر إلى مستوى لا تثبته الوقائع الحالية في هولندا.
والواقع القانوني الهولندي نفسه يستحق مساحة أكبر بكثير مما حصل عليه في المقال.
في هولندا، المساواة وعدم التمييز من الحقوق الأساسية، ويمنع القانون التمييز بسبب الدين أو المعتقد. كما أن حرية الدين من الحقوق الأساسية التي يقررها الدستور الهولندي.
والحجاب العادي ليس محظورًا في هولندا.
هناك قيود قانونية على bedekkende gezichtsbedekking، أي تغطية الوجه بالكامل، في أماكن محددة، لكن هذا شيء مختلف قانونيًا عن الحجاب الذي يترك الوجه ظاهرًا.
وهذا التفريق مهم جدًا للمرأة المسلمة.
فالمحجبة في هولندا ليست امرأة ترتدي شيئًا يتسامح معه القانون على مضض، ولا تعيش على هامش المجتمع القانوني. الأصل أنها تملك حرية إظهار معتقدها، وفي الوقت نفسه يحظر القانون التمييز ضدها بسبب دينها.
وهذا لا يعني أن القانون يمنع كل حادثة تمييز من الوقوع.
القانون ضد السرقة لا يعني عدم وجود لصوص، والقانون ضد التمييز لا يعني عدم وجود أشخاص يمارسون التمييز.
لكن الفارق الكبير هو أن من يميز ضد المرأة بسبب حجابها هو الذي يمكن أن يكون في الجانب المخالف لقواعد المساواة، وليس المرأة التي ترتدي حجابها.
وهذا ليس كلامًا نظريًا فقط.
College voor de Rechten van de Mens، أي «المعهد الهولندي لحقوق الإنسان»، وثق بالفعل حالات تعرضت فيها نساء للتمييز بسبب الحجاب. وفي إحدى القضايا عام 2024 اعتبر أن محكمة أمستردام نفسها لم توفر بصورة كافية بيئة عمل خالية من التمييز لامرأة محجبة، وتعاملت بصورة غير كافية مع شكواها.
يمكن قراءة مثل هذه القضية بطريقتين.
يمكن أن نقول: انظروا، حتى مؤسسة حكومية يمكن أن يحدث داخلها تمييز.
وهذا صحيح.
لكن هناك جانبًا آخر لا ينبغي تجاهله: توجد أيضًا مؤسسة وطنية تستطيع المرأة أن تذهب إليها وتشتكي، ويتم التحقيق في الأمر، ويمكن أن يصدر قرار يقول بوضوح إن ما حدث معها تمييز غير مقبول.
هذا جزء مهم جدًا من صورة هولندا أيضًا.
بل إن المعهد الهولندي لحقوق الإنسان يقول بوضوح إن الباحثات عن العمل اللاتي يحملن أسماء عربية أو يرتدين الحجاب يواجهن بصورة مثبتة فرصًا أقل في بعض مجالات سوق العمل.
إذن لا داعي لصناعة صورة وردية غير حقيقية عن هولندا.
هناك عنصرية.
وهناك تمييز.
وهناك أشخاص لديهم عداء تجاه الإسلام.
وهناك نساء محجبات واجهن مواقف جارحة أو غير عادلة.
لكن مواجهة هذه الحقيقة شيء، وإيصال رسالة ضمنية للمرأة بأن حجابها يمكن أن يصبح في المستقبل علامة تجعلها هدفًا في الشارع شيء آخر تمامًا.
والأمر نفسه ينطبق على استخدام تقرير AIVD، أي جهاز الاستخبارات والأمن العام الهولندي.
نعم، الجهاز يتابع التطرف اليميني، ويقول إن انتشار الأفكار اليمينية المتطرفة يمكن أن يوفر عند بعض الأفراد تبريرًا للعنف. وفي عام 2025 أصدر الجهاز تقارير أمنية بشأن ثمانية أشخاص لوجود تهديدات عنف ذات خلفية يمينية متطرفة.
هذه معلومة مهمة ويحق للصحافة تناولها.
لكن التقرير لا يقول إن النساء المحجبات أصبحن هدفًا أمنيًا خاصًا، ولا يقول إن هولندا تتجه إلى حالة تصبح فيها الملابس الإسلامية وسيلة لاختيار ضحايا العنف.
بل إن التقرير نفسه يعرض عدة أنواع من التهديدات والتطرف، ويقول إن أهم تهديد إرهابي في عام 2025 ظل صادرًا عن التيار الجهادي.
ولهذا فإن استخدام أجزاء من التقرير الأمني لبناء سيناريو خاص بالمحجبات يحتاج إلى دليل إضافي، لا إلى مجرد إمكانية نظرية.
ومن هنا أختلف أيضًا مع السؤال الذي يختم به المقال:
«هل ستظل المرأة المسلمة قادرة على ارتداء حجابها بأمان إذا مر المجتمع يومًا بفتنة كبرى؟»
يمكن طرح السؤال أدبيًا، ولكنه صحفيًا واسع للغاية.
ما المقصود بفتنة كبرى؟
هل توجد مؤشرات على اقترابها؟
وما احتمال وقوعها؟
وهل هناك معلومات أمنية تقول إن النساء المحجبات سيكن هدفًا فيها؟
بدون إجابات، يصبح السؤال أقرب إلى سيناريو «ماذا لو؟».
وبهذه الطريقة يمكن إخافة أي مجموعة في أي دولة.
ماذا لو انهار الأمن؟
ماذا لو وصل المتطرفون إلى الشوارع؟
ماذا لو بدأ الناس في استهداف بعضهم بسبب المظهر؟
كل هذه السيناريوهات ممكنة نظريًا، لكن مهمة الصحافة ليست فقط إخبار الناس بما يمكن تخيله، وإنما مساعدتهم على معرفة الفرق بين الخطر القائم الآن والخطر الافتراضي.
وهنا ربما تكون الرسالة الأهم للمرأة المحجبة في هولندا:
لا تحتاجين إلى أن يقال لك إن كل شيء مثالي، لأنه ليس كذلك.
وقد تواجهين شخصًا متعصبًا.
وقد تواجهين تمييزًا في العمل أو الشارع أو مكان آخر، وهناك بيانات رسمية تثبت أن ذلك يحدث.
لكن هذا مختلف تمامًا عن العيش باعتبار حجابك علامة خطر.
أنت تعيشين في دولة تعتبر حرية الدين والمساواة من الحقوق الأساسية، وتحظر التمييز بسبب الدين، ولديها مؤسسات مختصة يستطيع الناس اللجوء إليها عند وقوع التمييز.
والأرقام التي تستحق المواجهة يجب أن تكون سببًا للمطالبة بمزيد من المساواة والحماية، لا سببًا لجعل المرأة تخاف من هويتها.
المطلوب ليس أن نقلل من شأن التمييز.
والمطلوب بالتأكيد ليس أن نقول للمحجبة: «لا تقلقي، لا يمكن أن يحدث لك شيء».
لا أحد يستطيع أن يقدم مثل هذا الضمان لأي إنسان في أي مجتمع.
لكن هناك فرقًا هائلًا بين الوعي وبين الخوف.
الوعي يقول للمرأة: اعرفي حقوقك، ولا تقبلي التمييز، وأبلغي عنه عندما يحدث، وثقي بأن المشكلة في من يمارسه وليس في حجابك.
أما الخوف فيقول لها: حجابك يجعلك مكشوفة، وربما يتحول يومًا ما إلى علامة يتعرف عليك بها من يريد استهدافك.
الأولى رسالة تمكّن المرأة.
والثانية تضع عبئًا نفسيًا على كتفيها لا تبرره الأدلة الحالية.
ومن المفارقات أن عنوان «الحجاب علامة مكشوفة» نفسه ينقل مركز المشكلة من الشخص الذي يمارس الكراهية إلى المرأة وملابسها.
بينما ربما تكون الصياغة الأدق للواقع الهولندي هي العكس:
الحجاب ليس علامة خطر، بل هو مظهر ديني ظاهر يتمتع بحماية قانونية، وقد يتعرض من ترتديه للتمييز كما تتعرض مجموعات أخرى للتمييز؛ والمطلوب هو مواجهة من يمارس هذا التمييز، لا جعل المرأة تشعر بأن ظهور هويتها هو المشكلة.
هذه ليست محاولة لتجميل الواقع الهولندي.
بل هي محاولة لقراءته بحجمه الحقيقي.
هولندا ليست خالية من العنصرية، وليست خالية من التطرف، وليست خالية من المشكلات المرتبطة بالمسلمين.
لكنها في الوقت نفسه ليست مجتمعًا تقف فيه المرأة المحجبة على حافة سيناريو اضطهاد جماعي لمجرد أن هويتها ظاهرة.
وبين إنكار المشكلة وتضخيمها توجد مساحة واسعة اسمها: الواقع.
ومن حق المرأة المسلمة أن تعرف هذا الواقع كاملًا؛ بمشكلاته وضماناته، بنقاط ضعفه وقوة مؤسساته، حتى تمارس حريتها بوعي وثقة، لا بخوف.
المقالة محل التعقيب
