كتب مدير مكتب القاهرة | عباس الصهبي
لا تزال حالة الصدمة والذهول تخيِّم على الوسط الغنائي المصري والعربي منذ إعلان نبأ رحيل نجم نجوم الغناء المعاصر “هاني شاكر”، الملقب بـ”أمير الغناء العربي”، في باريس؛ يوم الأحد 3 مايو/ أيار، 2026. جاءت صدمة الغياب بعد صراع طويل مع المرض، شهدت خلالها حالته الصحية تدهورًا ملحوظًا، وبالذات في الأيام الأخيرة من حياته، ما استدعى نُقله العاجل لإحدى كبرى المستشفيات الباريسية؛ حيث وُضع بقسم العناية المركزة، إلا أن حالته لم تستجب للعلاج، وتدهورت سريعًا؛ ما أدَّى إلى وفاته.
“أمير الغناء”.. ورحلته المتميزة!!
تكمن أهمية وقيمة “هاني شاكر” الفنية في سطوع نجوميته؛ بغنائه لمُلحِنين كبار، وبروز قامته الفنية المتميزة وَسْطَ عمالقة كبار نجوم الغناء في مصر، أمثال: عبد الحليم حافظ، ومحمد عبد الوهَّاب، وفريد الأطرش. وكان «هاني بن عبد العزيز بن مصطفى شاكر»- اسمه بالكامل- قد وُلد في القاهرة، يوم 21 ديسمبر/ كانون الأول، 1952. لوالده “عبد العزيز شاكر”، الموظف بمصلحة الضرائب، ووالدته الموظفة بوزارة الصحة.
مسيرته.. من أولها!!
ظهر منذ طفولته المبكرة شغفه بدراسة الموسيقى؛ فدرسها في كلية التربية الموسيقية بالزمالك- في القاهرة- وتخرَّج منها بدرجة امتياز، مع إجادته العزف على البيانو والعود بمهارة؛ حيث شارك بتلك المرحلة في برامج الأطفال بالتلفزيون المصري. وكان أول ظهور له في عالم الفن؛ بفيلم “سيد درويش”، عام 1966، إخراج أحمد بدرخان؛ حيث نجح به في أداء” دور سيد درويش” في صغره، ليظهر بعد ذلك، ضمن “الكورال”؛ مع العندليب عبد الحليم حافظ في أغنيته الشهيرة: “بالأحضان”! ويُعدُّ الموسيقار الراحل الكبير “محمد الموجي” أول من اكتشف صوت “هاني شاكر”، عام 1972؛ عندما قدَّمه في أول أغنية بعنوان: “حلوة يا دنيا”، للجمهور، ولأول مرة؛ في حفلة أقيمت في ديسمبر/ كانون الأول، من ذلك العام؛ بمناسبة عيد ميلاده العشرين؛ والطربف ماتردد إثر ذلك من أن هذه الأغنية بعدما سمعتها الجماهير في الإذاعة اعتقدوا أنها أغنية جديدة للعندليب عبد الحليم حافظ؛ فتضاعفت شهرته من أولها!!
وهج الشهرة.. يشتعل!!
اتجه هاني شاكر للسينما، عام 1973؛ فشارك في فيلم: “عندما يغني الحب”؛ بطولة عادل إمام وصفاء أبو السعود. وتميَّز عام 1974 بتوهج مسيرته الفنية؛ إذ قدَّم فيه مسرحية: “سندريلا والمدَّاح”، وشارك في بطولة فيلم” عايشين للحب”، كما أطلق أول ألبوم غنائي له بعنوان: “كده برضو يا قمر”، ضمَّ “5” أغنيات إحداها لـ”الموجي”: “حلوة يا دنيا”؛ فصلًا عن الأغنية التي تحمل اسم الألبوم والتي تعتبر الأغنية التي عرفت هاني شاكر بالجمهور. وشارك، عام 1975، في بطولة فيلم: “هذا أحبه وهذا أريده”؛ ليلاقى الفيلم نجاحاً جماهيرياً كبيراً، فتتواصل نجاحاته المتميزة عام 1981؛ خاصةً عندما شارك في مسلسل” فوازير رمضان” التليفزيونية “الخاطبة” مع الفنانة الكببرة نيللي.
صاحب “أكثر” ألبومات ناجحة!!
قدَّم المطرب هاني شاكر “29” ألبومًا، تعامل خلالها مع كبار الشعراء والملحنين في الوطن العربي؛ ومنهم: حسن أبو السعود؛ ومصطفي كامل؛ وخالد البكري؛ وصلاح الشرنوبي؛ وبهاء الدين محمد؛ ومجدي النجار وغيرهم كثيرون؛ حتى تجاوز عدد أغانيه أكثر من 600 أغنية؛ أشهرها: “عَلِّي الضحكاية”، و”ولا كان بأمرى”، و”ياريتك معايا”، و”حكاية كل عاشق”، و”الحلم الجميل”، و”قربنى ليك”، و”بَعْدك ماليش”، والتي صدرت بآخر البوماته، وبنفس الاسم-“بَعْدك ماليش”- عام 2010؛ وحقق له نسبة مبيعات عالية.
خلافه.. مع”العندليب”!!
واجهته في بداياته شائعات كثيرة “تركزت” حول خلافه مع المطرب الكبير عبد الحليم حافظ، لكن سرعان ما انحلَّ سوء التفاهم الذي أشعلته الصحافة الفنية، ولم يتوقف؛ إلا عندما برز الود بين ألمطربين “مرتين” أمام عبون الجمهور: حين قام “العندليب” بتعديل الميكروفون له، بإحدى حفلاته؛ ومرةً أخرى عندما صعد العندليب، أمام جمهور المسرح؛ وشارك “هاني شاكر” غناء أغنية: “كده برضه يا قمر”!!
رئاسته.. نقابة الفنانين المصرية!!
فاز هاني شاكر، يوم الثلاثاء، 28 يوليو/ تموز، 2015؛ بمقعد “نقيب الفنانين”- مقعد”أم كلثوم” عند إنشائه- بعد حصوله على “1060” صوتا، من إجمالي 2145 صوتًا صحيحًا، بينما كان قد حصل النقيب السابق- الشاعر والموسيقار “مصطفى كامل”- على “928” صوتًا، غير أن هاني شاكر قدَّم استقالته، مطلع عام 2017، ثم تراجع عنها؛ ليبقى في منصبه، إثر ما تعرض له من “هجوم عنيف” على خلفية قيامه بإلغاء حفل لـ”عبدة الشيطان”؛ حيث رفض المجلس استقالته، وأكد- “المجلس”- في بيان مُفصَّل رفضه “أيّ تطاول أو تجاوز على شخص أمير الغناء العربي ونقيب الموسيقيين الفنان هاني شاكر بسبب تصدّيه للخروج عن القيم والمبادئ المجتمعية، حيث أن مكانته الفنية والخلقية تعلو على المسيئين إليه”!
” منع” فناني “المهرجانات” من الغناء!!
أعلن، عام 2019- كممثل لنقابة الفنانين- منع “16” من أشهر مغنيي المهرجانات الشعبية المصرية، مستندًا على مادة تعود للعام 1978؛ تقضي بمنع كل من ليس عضوًا في النقابة من إقامة الحفلات الموسيقية، وأرسل بيان يحمل صيغة قرار رسمي بمنع التعامل معهم ورد فيه «أن النقابة تخشى أن يكون من بين هؤلاء من أطلقوا عليهم “عناصر غير مؤهّلين” وقد يكون من بينهم من يخفي أغراضا أخرى لا تمت إلى الفن بصلة بل قد تسيء إلى أمن الوطن»! وفد شملت القائمة: حمو بيكا، مجدي شطا، كزبرة وحنجرة، فرقة الصاوريخ، العفاريت، العصابة، بصلة، الزعيم، وزة المطرية، عمرو حاحا، الديزل، علاء فيفتي، فريق الكعب العالي، شواحة، أبو ليلة، أندرو الحناوي.
حيث أوردت الصحف القومية المملوكة للدولة أن «هذا القرار أتى استكمالاً لمسيرة نقابة الموسيقيين في الإصلاح ومحاربة المخالفين لقواعد الفن والموسيقى»! رحم الله أمير الغناء هاني شاكر، وغفر له، أسكنه الفردوس الأعلى؛ جزاء ما قدمه لمصر والأمة العربية من إبداع غنائي متميز ونظيف أعاد للذاكرة زمن الفن والغناء الجميل الأصيل.
