القائمة

رحلة إلى مكة فى هولندا : 1

غرفة الأخبار 4 أسابيع مضت 0 4.2 ألف

في زيارة إلى مدينة دين بوش جنوب هولندا، وبمبادرة من صديقي الدكتور أسعد جابر، كبير المترجمين وأستاذ الثقافة العربية في جامعة لايدن الهولندية، انضم إلينا كلٌّ من المهندس الهولندي شاك باومان، والفنان التشكيلي جمال عز العرب، إضافةً إلى العبد لله. وجاءت هذه الرحلة لتجمع بين الإعلام والفن والهندسة والثقافة.

انطلقنا من مدينة لاهاي بشوقٍ وشغف لمشاهدة معرض «من الباوهاوس إلى مكة» في متحف ديزاين. وهناك، عايشنا نحن الأربعة ملحمة فنية للعمارة الإسلامية، بتجلياتها التي مزجت بين التراث والحداثة في صياغة فنية مدهشة لمكة المكرمة والمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية، من خلال تصاميم الدكتور محمود بودو راش، الذي كان الفن أحد جسوره إلى اعتناق الإسلام.

وفي هذه الحلقة الأولى، أُسلّط الضوء على هذه الشخصية المتميزة، تمهيدًا للخوض في تفاصيل ما شاهدناه داخل المتحف في حلقة مقبلة، مدعومة بالصور من أرض الواقع.

الدكتور محمود بودو راش شخصية تُفضّل العمل في الظل؛ حرفيًا، لأن كثيرًا من تصاميمه وُجدت لتوفير الظلال، ومجازيًا لأنه لا يسعى إلى الأضواء. غير أن هذا الابتعاد عن الشهرة لا يعني الغياب، بل على العكس، فهو صاحب فضول عميق تجاه العالم وكيفية تشكّله. مثقف، ذكي، لبق في الحديث، وقبل كل شيء متواضع.

حين يروي مسيرته المهنية ونشأة مشاريعه، تبدو وكأنها وليدة الصدفة. ومن أقواله اللافتة: «أغبى المزارعين يحصل على أكبر حبات البطاطا»، في إشارة ساخرة إلى دور المصادفة في النجاح. ومع ذلك، يؤكد راش أن ما تحقق لم يكن بجهده الفردي، بل بفضل العمل الجماعي، وبأن الفضل في النهاية يعود إلى الله.

ومن أوجه عمله “في الخفاء” أن العديد من مشاريعه الكبرى أُنجزت في الحرمين الشريفين، في مكة المكرمة والمدينة المنورة. وهما المدينتان المقدستان اللتان لا يُسمح بدخولهما إلا للمسلمين. هناك، صمّم ونفّذ نماذج مبهرة من العمارة خفيفة الوزن، وهياكل عالية التقنية تمزج بين الهندسة الألمانية والتجريب العلمي والإلهام الحيوي والتصميم الإسلامي، لتُشكّل معًا ملامح عمارة إسلامية مستقبلية، أو كما وصفها ذات مرة: «العمارة الآلية الرومانسية».

تشكل سيرته حكاية ملهمة تتقاطع فيها الفنون والعلوم والروحانية وروح المغامرة. وُلد راش في مدينة شتوتغارت بألمانيا في مرحلة ما بعد الحرب، لأسرة ينتمي عائلها إلى الهندسة المعمارية والفن، فكان شغفه بالمعرفة مبكرًا ومتجذرًا.

في بداياته، حلم بأن يصبح فنانًا، رسامًا أو نحاتًا، غير أن نصيحة والديه دفعته لاختيار مسار أكثر استقرارًا، فالتحق بدراسة الهندسة المعمارية. لكنه وجد الدراسة تقليدية ومُرهقة، ولم ينسجم مع الطراز المعماري السائد آنذاك، الذي رآه جامدًا ومنفصلًا عن الواقع.

التحول الحقيقي جاء عندما أُتيحت له فرصة العمل مع المهندس المعماري الألماني فراي أوتو. عند دخوله استوديو أوتو لأول مرة، أدرك أنه أمام تجربة مختلفة؛ فريق متعدد التخصصات يعتمد على التجريب العلمي كأساس للتصميم. هناك وجد راش ضالته، وأصبح أوتو مرشده، لتنشأ بينهما علاقة مهنية وإنسانية متينة استمرت لسنوات طويلة.

بالتوازي مع بحثه المعماري، كان راش في رحلة روحية قادته إلى اعتناق الإسلام عام 1974، وهو ما شكّل نقطة تحول جديدة في مسيرته. ومن خلال هذا التحول، اتجهت أعماله نحو مكة والمدينة، حيث طوّر أفكاره المعمارية في سياق جديد يجمع بين الروحانية والتقنية.

تستحق تجربة الدكتور محمود بودو راش أن تُسلّط عليها الأضواء وأن تُقدَّم لجمهور أوسع. فهي تكشف أن الحداثة ليست مسارًا واحدًا، بل شبكة معقدة من الثقافات والتقنيات والتواريخ والرؤى المختلفة. كما تؤكد أن المبادئ الإنسانية الأساسية يمكن التعبير عنها بطرق لا حصر لها، وأن الفن والعلم يظلان أداتين جوهريتين في تشكيل العالم.

ومن هنا جاء معرض «من باوهاوس إلى مكة»، الذي يقدّم مختارات من أرشيفه الغني، بعد أن أتاحه بسخاء للمنظمين. وقد جرى اختيار أعمال تعكس مسيرته وتُجسّد القصة التي يسعى المعرض إلى روايتها.

ويضم الدليل الإرشادي للمعرض معظم الأعمال المعروضة، إلى جانب نصوص يروي فيها راش جوانب من حياته ومسيرته المهنية، ما يمنح الزائر فرصة نادرة للتعرّف عن قرب على تجربة معمارية وإنسانية استثنائية.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *