ما يحدث في كثير من الممارسات الطبية منذ سنوات طويلة لم يكن مجرد “علاج” بالمعنى التقليدي، بل أقرب إلى نظام مغلق يُعيد إنتاج نفسه بدقة باردة، حيث يُدار المرض بدلًا من أن يُفهم، وتُخفف الأعراض بدلًا من الاقتراب من جذورها.
كما يُغرس سنّ البرجل في نقطة ثابتة ليبدأ رسم دائرة كاملة لا تخرج عن حدودها، يُغرس المريض عند أول تشخيص، ثم يبدأ الدوران حوله: تحليل، قراءة سريعة، وصفة طبية، متابعة، ثم إعادة نفس الدورة بصيغة محسّنة قليلًا، لكن الجوهر يبقى ثابتًا دائرة لا تتسع ولا تنكسر.
المشكلة لا تكمن في الطب كعلم، بل في الطريقة التي يُختزل بها الإنسان داخله،فحين يتحول الجسد إلى “حالة”، يُفصل عن قصته، عن توتره النفسي، عن بيئته، عن تاريخه، ويُختزل في رقم تحليل أو عرض ظاهر وعندها يصبح العلاج إجراءً تقنيًا، لا فعلًا إنسانيًا معقدًا.
في هذا النموذج، لا يُطرح سؤال “لماذا حدث المرض؟” بقدر ما يُطرح سؤال “كيف نُسكت ظهوره؟” وهنا تبدأ الدائرة في الإغلاق بإحكام: أدوية تُوصف بسرعة، أعراض تُخفف، ومواعيد متابعة تُعيد تثبيت نفس الإطار دون تفكيكه.
كل وصفة طبية ليست مجرد علاج، بل تثبيت إضافي للمسار،وكل تحسن مؤقت قد لا يكون سوى استراحة داخل دائرة لا تزال قائمة، لا خروجًا منها.
الأخطر أن هذا الشكل من الممارسة يمنح شعورًا زائفًا بالأمان، فالطبيب يملك الإجابة الجاهزة، المريض يلتزم، والنظام يستمر بانضباط،لكن تحت هذا الانضباط، يبقى السؤال معلقًا: هل يحدث شفاء فعلي؟ أم مجرد إدارة أنيقة لمرض مستقر؟
الطب حين يفقد قدرته على الشك، يفقد جوهره.
لأن الطب الحقيقي لا يبدأ من بروتوكول، بل من سؤال و لا يبدأ من وصفة، بل من إعادة تفكيك الفرضيات ولا يرى الإنسان كحالة، بل ككائن مركب لا يمكن اختزاله.
حين يتحول الطبيب إلى منفذ لإجراء جاهز، يتحول المريض إلى نقطة ثابتة داخل دائرة مغلقة وحين تُغلق الدائرة، لا يعود هناك فرق بين المتابعة والعجز عن التغيير.
الشفاء الحقيقي لا يمكن أن يحدث داخل حدود مغلقة بالكامل،لأنه ليس مجرد تخفيف ألم، بل إعادة فهم السبب، وكسر النمط، وإعادة تعريف العلاقة بين الجسد والحياة.
ويبقى السؤال الأكثر إزعاجًا لأنه لا يقبل إجابة سهلة:
هل نحن داخل نظام علاجي يبحث عن الإنسان وإنسانيته ،أم داخل دائرة محكمة تُدير المرض بكفاءة دون أن تسمح له بالخروج؟
