القائمة

حين يصبح كل شيء مباحًا” لا تسألوا من أين جاء الخراب”

Linda Seleem أسبوعين مضت 0 9.4 ألف

كل يوم نستيقظ على خبر جديد أكثر قسوة من الذي سبقه.

مدير مدرسة يطلب رشوة جنسية من أم جاءت تبحث عن مستقبل ابنتها. أم تبيع طفلها من أجل المال،طفلة تُغتصب على يد من يفترض أنه مصدر الأمان. جرائم تهز المجتمع وتجعلنا نتساءل: ماذا حدث للناس؟

لكن السؤال الأهم ربما يكون: ماذا حدث قبل ذلك؟

لأن الجرائم الكبرى لا تولد فجأة،هي غالبًا نهاية طريق طويل من الاستهانة، والتطبيع مع الخطأ، والتسامح مع تجاوز الحدود، والتعامل مع القيم وكأنها مجرد وجهات نظر قابلة للتفاوض.

صرنا نعيش في زمن يحاول فيه البعض الحصول على ما يريد بأي وسيلة،خدمة مقابل مجاملة، مصلحة مقابل تنازل، منفعة مقابل صمت، ومع الوقت تختفي الخطوط الفاصلة بين المقبول والمرفوض.

في الأسواق، وفي أماكن العمل، وفي بعض المؤسسات، نجد من يتعامل مع الآخرين وكأن العلاقات الإنسانية أصبحت سلعة قابلة للمساومة. ليست المشكلة في التفاوض على سعر أو خدمة، بل في العقلية التي ترى أن كل شيء يمكن أن يكون محل تبادل إذا وُجد المقابل المناسب.

المشكلة تبدأ عندما يفقد الإنسان احترام الحدود.

عندما يتعلم الطفل أن جسده ليس له خصوصية، وأن اعتراضه ليس مهمًا، وأن الكبار دائمًا على حق، فإننا نزرع بداخله ارتباكًا خطيرًا حول معنى الأمان والاحترام وعندما يتعلم الشاب أن النفوذ يشتري ما لا يستحقه، وأن السلطة تمنحه امتيازات فوق القانون، فإننا نفتح الباب أمام الفساد بأشكاله المختلفة.

ولا يتعلق الأمر بالملابس أو الطبقة الاجتماعية أو المكان أو الجنس،فالمتحرش لا يولد بسبب ملابس ضحيته، والمرتشي لا يظهر بسبب فقر المجتمع وحده، والمغتصب لا يصنعه موقف واحد أو مشهد واحد. لكن هناك بيئة كاملة قد تساعد على نمو هذه الانحرافات عندما تتساهل مع التجاوزات الصغيرة وتعتبرها أمورًا عادية.

كل مجتمع يملك إشارات تحذير مبكرة.

عندما يصبح الاحترام سذاجة، والحياء عقدة، والأمانة ضعفًا، والحدود الشخصية شيئًا يمكن السخرية منه، فاعلم أن المجتمع يسير في اتجاه خطير.

لا أحد يستيقظ صباحًا ليصبح فاسدًا أو متحرشًا أو مجرمًا بين ليلة وضحاها. هناك رحلة طويلة من التبرير والتطبيع والتنازل عن المبادئ تبدأ صغيرة جدًا حتى يظن البعض أنها غير مهمة.

ولهذا فإن مواجهة هذه الآفات لا تبدأ فقط من المحاكم والسجون، رغم أهميتها، بل تبدأ من البيت، ومن المدرسة، ومن الإعلام، ومن التربية التي تعلم أبناءنا أن هناك أشياء لا تُشترى، ولا تُباع، ولا تُقايض، مهما كان الثمن.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس كثرة المجرمين، بل كثرة الذين اعتادوا رؤية الخطأ حتى توقفوا عن اعتباره خطأ.

وحين يصبح كل شيء مباحًا، لا تسألوا من أين جاء الخراب.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *