القائمة

حين يصبح الونس خارج البيت.. أين ذهب الدفء الزوجي؟

Linda Seleem أسبوعين مضت 0 1.2 ألف

بقلم د.شيرين طلعت

هناك مشاهد تبدو عادية جدًا من الخارج..

مجموعة سيدات في رحلة، أو حفلة، أو جلسة لطيفة، يضحكن، يلتقطن الصور، يسمعن أغاني الزمن الجميل، ويتبادلن الحكايات..

مشهد جميل في حد ذاته، ولا يعني بالضرورة شيئًا أكثر من رغبة طبيعية في الصحبة والفرح وكسر رتابة الأيام.

لكن أحيانًا، عندما نقترب من الحكايات بعيدًا عن الصور والضحكات، نكتشف أن بعض هذه اللقاءات ليست مجرد فسحة..

بل محاولة لاستعادة شيء إنساني افتقدته صاحباتها دون أن يعرف أحد:

الونس.

فواحدة لديها زوج، لكن الكلام بينهما أصبح قليلًا.

وأخرى تعيش معه تحت سقف واحد، لكن لكل منهما عالمه الخاص.

وثالثة تقول إن حياتها مستقرة، وكل شيء على ما يرام، لكنها تفتقد ذلك الشعور البسيط بأن هناك من ينتبه لتفاصيلها، ويسألها بصدق:

«إنتِ عاملة إيه؟»

وأخرى فقدت زوجها، فأصبح الخروج والرفقة محاولة طبيعية للتكيف مع فراغ تركه غياب إنسان كان يملأ مساحة كبيرة من حياتها.

هنا لا يصبح السؤال:

لماذا تخرج هؤلاء السيدات؟

بل يصبح السؤال الأعمق:

كيف يمكن أن يصبح الونس الذي نبحث عنه خارج البيت، بينما يفترض أن يكون البيت أول مكان نجد فيه الدفء؟

فالزواج في بدايته غالبًا ما يكون مليئًا بالتفاصيل الصغيرة..

مكالمة بلا سبب.

خروجة لمجرد الخروج.

كلمة حلوة.

سؤال عن اليوم.

ضحكة مشتركة.

اهتمام بالتفاصيل.

ثم تأتي الحياة..

الأبناء، والمدارس، والعمل، والمصاريف، والمسؤوليات، والمرض، والمشكلات، والسنوات التي تمر أسرع مما نتخيل.

وينجح الزوجان في إدارة كل شيء..

إلا علاقتهما.

فيصبح الزواج مع الوقت أشبه بشراكة لإدارة البيت وتربية الأبناء، بينما تتراجع مساحة «أنا وإنت» أمام مساحة «إحنا والأولاد».

ثم يكبر الأبناء..

ويتزوجون..

وينشغل كل منهم بحياته.

يهدأ البيت، وتختفي التفاصيل التي كانت تملأ اليوم، وفجأة يجد الزوجان نفسيهما أمام بعضهما من جديد.

وهنا تظهر الحقيقة التي كانت المسؤوليات تؤجل مواجهتها:

ماذا بقي بيننا؟

إذا لم يبقَ سوى الحديث عن الأبناء والمصاريف والطعام والمواعيد ومشكلات الحياة، فقد يشعر الإنسان بالوحدة رغم أنه ليس وحده.

لأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى شخص يعيش معه..

بل يحتاج إلى شخص يعيش معه الحياة.

يحتاج إلى كوب شاي مشترك، ومشوار بسيط، وأغنية قديمة، وذكرى جميلة، وضحكة بلا مناسبة، وحتى صمت يشعر فيه أن هناك قلبًا آخر إلى جواره.

ولهذا لا ينبغي أن ننظر إلى خروج السيدات معًا باعتباره علامة سلبية.

ربما يكون في كثير من الأحيان شيئًا صحيًا وجميلًا..

فمن حق المرأة أن تضحك، وتخرج، وتلتقي بصديقاتها، وتستمتع بعمرها، وتكتشف أن الحياة ما زالت قادرة على أن تمنحها لحظات جميلة.

لكن الأجمل..

أن يكون لديها أيضًا شخص في البيت تريد أن تشاركه هذه اللحظات.

أن تعود من الحفلة لتقول له ما حدث.

أن يسمعا معًا الأغنية التي أحبتها.

أن تكون الرحلة القادمة معًا.

أن يصبح الزوج رفيقًا للحياة، لا مجرد شريك في المسؤوليات.

فالمشكلة ليست أن يكون للمرأة عالم خارج بيتها..

المشكلة أن يصبح العالم الوحيد الذي تجد فيه الونس خارج بيتها.

وهنا نحن لا نتحدث عن النساء فقط.

فالزوج أيضًا قد يكون وحيدًا، وقد يبحث عن صحبته في أصدقائه وعمله وهاتفه ومجالسه، لأنه فقد شيئًا في علاقته بزوجته.

المسألة إذن ليست اتهامًا لأحد..

بل سؤالًا يستحق أن نواجهه قبل فوات الأوان:

هل ما زلنا نعيش معًا فقط؟
أم أننا ما زلنا نعيش الحياة معًا؟

فالزواج لا ينتهي عندما يكبر الأبناء..

ربما هنا يبدأ أجمل فصوله.

فصل لا يحتاج فيه الزوجان إلى الركض خلف المدارس والدروس والمواعيد، ولا إلى الانشغال بكل تفاصيل الأبناء.

فصل يمكن أن يستعيدا فيه بعضهما من جديد..

يمشيان معًا، يسافران، يضحكان، يتحدثان، يشربان القهوة، يستمعان إلى أغنية قديمة، ويتعرف كل منهما على الإنسان الذي عاش بجواره سنوات طويلة، لكنه ربما نسي أن ينظر إليه كما كان يفعل في البداية.

فالونس ليس رفاهية..

والاهتمام ليس مجاملة..

والدفء بين الزوجين ليس ترفًا عاطفيًا.

إنه جزء من معنى أن يكون للإنسان شريك حياة.

وأقسى أنواع الوحدة ليست أن تجلس وحدك في غرفة..

بل أن تجلس بجوار من تحب، وتشعر أن بينكما مسافة لا يعرف أحد كيف بدأت.

وربما لم يفت الوقت..

فأحيانًا لا نحتاج إلى تغيير حياتنا كلها.

نحتاج فقط إلى أن نتوقف لحظة، وننظر إلى الشخص الذي شاركنا العمر، ونقول له:

«إحنا لسه هنا..
تعالَ نعيش اللي باقي من العمر سوا.»

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *