القائمة

حين يصبح الانتماء سؤالًا مؤلمًا | العرب والمُسلمون المجنَّسون في هولندا بين واجب المواطنة وصراع الهوية

غرفة الأخبار 4 أشهر مضت 0 1.9 ألف

فى السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التوترات الدولية والحروب الإقليمية، بدأ سؤال حساس يطفو على السطح داخل أوساط العرب والمُسلمين الحاصلين على الجنسية الهولندية:
ماذا لو دخلت هولندا ـ ضمن تحالف عسكري غربي ـ في حرب ضد دولة عربية أو إسلامية؟
وهل يمكن أن يُجبر المواطنون من أصول عربية ومسلمة على التجنيد والمُشاركة في حرب ضد شعوب تربطهم بها اللغة أو الدين أو التاريخ أو حتى روابط الدم؟

قد يبدو السؤال افتراضيًا اليوم، لكنه في الحقيقة يعكس أزمة هوية وانتماء معقدة تعيشها شريحة واسعة من المهاجرين المجنسين في أوروبا، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن إعادة التجنيد الإجباري في بعض الدول الأوروبية بعد الحرب الروسية الأوكرانية وتصاعد المخاوف الأمنية العالمية.

الحصول على الجنسية الهولندية لا يعني فقط جواز سفر وحقوقًا مدنية، بل يتضمن أيضًا واجبات قانونية وأخلاقية تجاه الدولة، من بينها ـ نظريًا ـ الدفاع عن الوطن إذا تعرض لخطر وجودي.

لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا حين تتحول الحرب من “الدفاع عن الأراضي الهولندية” إلى المشاركة في صراعات دولية ذات أبعاد سياسية أو دينية أو جغرافية.

هنا يبدأ الصدام النفسي:
هل يقاتل المواطن العربي المسلم باعتباره هولنديًا يدافع عن قرارات دولته؟
أم يرفض المشاركة لأن الطرف الآخر ينتمي إلى جذوره الحضارية أو الدينية؟

هذا السؤال لا يطرحه العرب والمسلمون وحدهم، بل عرفته دول كثيرة عبر التاريخ.
الألمان الأمريكيون خلال الحرب العالمية الثانية، واليابانيون الأمريكيون، وحتى الروس المقيمون في أوروبا اليوم، جميعهم واجهوا لحظات شك واتهام واختبارات ولاء قاسية.

طرح هذا السيناريو يفتح بابًا بالغ الحساسية داخل المجتمع الهولندي نفسه.
فإذا بدأت قطاعات سياسية أو إعلامية بالتشكيك في “ولاء” المواطنين المسلمين، فإن ذلك قد يؤدي إلى:

  • تصاعد العنصرية والتمييز.
  • زيادة الرقابة المُجتمعية على المسلمين.
  • اتساع الفجوة النفسية بين الجاليات والدولة.
  • تنامي مشاعر العُزلة والرفض لدى الأجيال الجديدة.

وفي المقابل، فإن أي دعوات علنية لرفض الخدمة العسكرية قد تُستخدم من قبل اليمين المتطرف كدليل على “فشل الاندماج”، وهو ما قد يغذي خطاب الكراهية ضد المُهاجرين عمومًا.

حتى الآن لا يوجد تجنيد إجباري فعّال في هولندا، رغم بقاء نظام الخدمة العسكرية قائمًا من الناحية القانونية بشكل مجمَّد.
لكن مع التحولات الأمنية العالمية، عاد النقاش الأوروبي حول إعادة التجنيد أو “الخدمة الوطنية” إلى الواجهة.

ومع ذلك، فإن القوانين الأوروبية وحقوق الإنسان تمنح بعض الأفراد حق “الاعتراض الضميري”، أي رفض حمل السلاح لأسباب دينية أو أخلاقية أو إنسانية، لكن هذا الحق ليس مطلقًا، وغالبًا ما يخضع لشروط وإجراءات معقدة.

الأجيال العربية والمُسلمة المولودة في هولندا تعيش واقعًا مُختلفًا عن آبائها.
فهؤلاء يعتبرون أنفسهم هولنديين بالكامل من جهة، لكنهم في الوقت نفسه مرتبطون بجذورهم الأصلية ثقافيًا وعاطفيًا وقد يكون لهم ارتباط ديني يصل أحيانًا لحد قد يوصف بالتطرف .

وعندما تنشب الحروب في الشرق الأوسط، يجد كثير منهم أنفسهم مُمزقين بين إعلام غربي يقدّم سردية ما، وعائلاتهم أو مُجتمعاتهم التي ترى رواية أخرى تمامًا.

لهذا فإن أي صراع مُستقبلي قد يخلق أزمة هوية حقيقية داخل آلاف الأسر، خصوصًا إذا تحوّل الأمر إلى استقطاب سياسي وإعلامي حاد.

في المقابل، فإن الحكومات الأوروبية مطالبة بالتعامل بحكمة شديدة مع مثل هذه الملفات.
فالمواطنة لا يمكن أن تقوم على الشك الدائم، ولا على اختبار الولاء كلما اندلعت حرب.

الدولة الديمقراطية الحقيقية هي التي تحمي حق مواطنيها في الاختلاف السياسي والديني، طالما ظل ذلك داخل إطار القانون، دون تحويل الأقليات إلى “متهم دائم” في أوقات الأزمات.

كما أن دمج المواطنين من أصول مهاجرة لا يتحقق بالشعارات فقط، بل ببناء شعور حقيقي بالمساواة والعدالة والانتماء المشترك.

ربما لا تكون المشكلة الحقيقية في احتمال الحرب نفسها، بل في السؤال الأعمق الذي تكشفه:
هل نجحت أوروبا فعلًا في بناء مجتمعات متعددة الهويات يشعر فيها الجميع أنهم مواطنون متساوون؟
أم أن الأزمات الكبرى ما زالت قادرة على كشف هشاشة هذا التعايش؟

إن العرب والمسلمين في أوروبا لا يعيشون فقط معركة الاندماج، بل يعيشون أحيانًا معركة إثبات أنهم ليسوا “غرباء مؤقتين” مهما حملوا من جنسيات أوروبية.

ويبقى الخطر الأكبر أن تتحول الحروب الخارجية إلى حروب نفسية داخل المجتمعات الأوروبية نفسها، حيث يصبح المواطن ممزقًا بين جواز السفر والذاكرة… بين الوطن الذي يعيش فيه، والوطن الذي يسكن داخله.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *