القائمة

حين خانت المدرسة طفلًا… وسقط القناع: جريمة سيدز الدولية التي لطخت وجه التعليم في مصر”

غرفة الأخبار أسبوعين مضت 0 5.4 ألف

بقلم الإعلامية د. ماجدة محمود عبد العال
لم تعد الحكاية مجرد حادثة عابرة، ولا واقعة فردية يمكن تهدئتها ببيان رسمي أو كلمات مجاملة. ما حدث داخل مدرسة سيدز الدولية هو جريمة كاملة، جريمة تقشعرّ لها الأبدان، وتُسقط آخر ما تبقى من ثقة في مؤسسات يفترض أنها تحمي الأطفال قبل أن تُعلمهم. كان يفترض أن تكون المدرسة بيتًا ثانيًا… فإذا بها تتحول إلى غرفة مظلمة، تُكمّم فيها أفواه الصغار وتُهدد بالسكاكين، وتُسرق طفولتهم تحت سقف إدارة تعرف… أو تغضّ الطرف.

ما جرى ليس مجرد تقصير، بل خيانة صريحة للأمانة. طفل صغير يدخل المدرسة مطمئنًا، يضع يده في يد من حوله بثقة بريئة، ثم يفاجأ بيد أخرى تمتد إليه لا لتحمله أو تساعده، بل لتعذبه وتؤذيه وتهدد سلامته النفسية والجسدية. أي قلب يمكنه أن يظل صامتًا أمام هذا المشهد؟ أي ضمير يمكنه أن يبرر أن يُربط طفل ويُكمم فمه داخل مؤسسة تعليمية؟ وأي إدارة تلك التي ترى وتتجاهل، أو لا ترى لأنها اختارت ألا ترى؟

هذه ليست مجرد واقعة، بل صدمة وطنية، صفعة على وجه مجتمع يعرف قيمة الطفل، ويحفظ مكانته، ويعتبره أمانة لا يحق لأحد أن يقترب منها بسوء. الصدمة ليست فقط في الفعل الوحشي الذي وقع، بل في الجدار المتهالك من الإهمال الذي سمح له بالحدوث. جدار من الثغرات، من الصمت، من العمى المتعمد، من التراخي الذي يفتح الباب للشيطان ليدخل إلى قلب المدرسة ويتجول بحرية.

حين تحدث أولياء الأمور، لم يصرخوا فقط خوفًا على أطفالهم، بل صرخوا كأنهم يصرخون باسم كل طفل في هذا البلد، لأن الجريمة واحدة، والوجع واحد، والرعب واحد. صرخوا لأن أطفالهم لم يعودوا قادرين على النوم، لأن الخوف صار يسكن في عيونهم، لأن ما مرّوا به ليس حادثة سهلة تُنسى، بل جرحًا قد يظل مفتوحًا لسنوات. أي مجتمع يقبل أن ينكسر طفل؟ وأي دولة يمكن أن تسمح بتكرار هذا المشهد في مدرسة أخرى إن لم يكن الحساب صارمًا، وقاسيًا، وواضحًا؟

تحركت الدولة بسرعة، وهذا واجبها، لكن الحساب هذه المرة يجب ألا يتوقف عند الجناة المباشرين. الجريمة ليست في يد واحدة فقط، بل في يد كل من أهمل، وكل من تستر، وكل من خشي على سمعة مدرسة أكثر من خشيته على سلامة طفل. يجب أن يعلم الجميع أن المدرسة التي تخون طفلًا تسقط فورًا من قائمة المؤسسات التعليمية، وأن العامل الذي يمد يده على طفل لن يخرج إلى الشارع قبل أن يُحاسب، وأن الإدارة التي تصمت على الألم لا تستحق أن تقود مستقبل أي طفل آخر.

هذه القضية ليست قضية مدرسة واحدة، بل اختبار للمجتمع كله: هل نحن قادرون على حماية أطفالنا؟ هل نحن قادرون على النظر في عيونهم والقول لهم: أنتم بخير؟ أنتم في أمان؟ إن لم تُعالج هذه الجريمة جذريًا، وإن لم تُضرب بيد من حديد، فإن كل مدرسة أخرى ستكون مهددة، وكل طفل آخر سيكون معرضًا للوجع نفسه.

لقد سقط القناع. وانكشف المستور. ولم يعد هناك مجال للمساومة أو التخفيف أو الوعود المنمقة. نحن أمام جريمة هزّت الضمير، وعرّت هشاشة بعض مؤسسات التعليم، ووضعت الجميع أمام مسؤولية لا يمكن الهروب منها. حماية الطفل ليست شعارًا، بل عقد شرف بين المجتمع والدولة والمدرسة. ومن يخلّ به يجب أن يُجرد من موقعه، ومن سلطته، ومن كل ما يحميه.

سيبقى سؤال واحد يطارد كل من يقرأ هذه القصة:
كيف نام هؤلاء وطفل مقيد يبكي في غرفة مغلقة؟
وكيف يمكن لمدرسة أن تستمر بعد أن خانت أبسط واجباتها؟
وأي وجه يمكن أن ترفعه إدارة أمام الأهالي بعد أن تركت أبناءهم يواجهون وحدهم رعبًا لا يليق إلا بأماكن بلا قانون؟

إن قضية سيدز الدولية ليست نهاية، بل بداية معركة أكبر: معركة لاستعادة هيبة التعليم، ونزاهة المؤسسات، وحقوق الأطفال الذين لم يخلقهم الله ليكونوا ضحايا، بل ليكونوا مستقبلًا.
والمستقبل لا يُبنى على الخوف… ولا ينمو في الظلام… ولا يزدهر في مدرسة خانت طفلًا.

magy-news@hotmail.com

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *