بقلم| د. ليندا سليم
لم يكن وصول جثمان الطبيب ضياء العوضي رحمة الله عليه من الإمارات نهاية المشهد، بل بدا وكأنه بداية جديدة لسلسلة من الأسئلة الثقيلة التي لم تجد من يحملها بجدية كافية، ففي القضايا التي تحيط بها الشكوك، لا يُفترض أن يكون الموت خاتمة صامتة، بل نقطة انطلاق لإجراءات أكثر صرامة وشفافية، تحفظ للميت حقه وللأحياء حقهم في المعرفة.
ما كان ينبغي أن يحدث لم يحدث.
كان من المنطقي بل من الواجب أن يتم التعامل مع الحالة منذ اللحظة الأولى وفق بروتوكول واضح: تشريح فوري، بحضور أو إشراف فريق طبي مستقل من وطنه، توثيق كامل، ومشاركة كل التفاصيل بلا انتقائية. ليس تشكيكًا مسبقًا، بل تحصينًا للحقيقة من أي لبس أو تأويل،لكن ما جرى، ترك فراغًا واسعًا، لا تملؤه البيانات المقتضبة، ولا تُغلقه الإجراءات المتأخرة.
غياب هذا الإطار لم يكن تفصيلًا إداريًا، بل نقطة تحوّل،لأن كل ما يأتي بعده أيًا كانت نتائجه سيظل محاطًا بظل الشك،فالتشريح الذي يتم في غياب رقابة متعددة الأطراف، خصوصًا في القضايا المثيرة للجدل، يفقد جزءًا كبيرًا من قدرته على الإقناع، حتى لو كان سليمًا من الناحية الفنية،الثقة هنا ليست مجرد نتيجة،بل مسار كامل كان يجب أن يُبنى خطوة بخطوة.
اليوم وبعد أن دُفن الجثمان،أي إجراءات لاحقة وكأنها محاولة للحاق بشيء فات أوانه سواء ثبتت هوية الجثمان بشكل قاطع، أو لم تُثبت، فإن الإشكال الأعمق لا يزال قائمًا: كيف أُديرت اللحظة الأولى؟ ولماذا غابت الضمانات التي تمنع تضارب الروايات؟
إن أخطر ما في مثل هذه القضايا ليس فقط احتمال الخطأ، بل الإحساس العام بأن الحقيقة يمكن أن تُدار، أو تُؤجَّل، أو حتى تُخفى خلف تعقيدات إجرائية،هنا يتحول الشك من احتمال إلى قناعة تتغذى على غياب الشفافية.
الحديث عن احتمال التلاعب، أو استبعاد الشق الجنائي، ليس اتهامًا بقدر ما هو انعكاس طبيعي لمسار لم يُغلق منافذ الريبة منذ بدايته وحين تُترك المساحات فارغة، تملؤها الأسئلة وأحيانًا أسوأ من الأسئلة.
لقد رحل الرجل، وبقيت قضيته معلّقة بين روايات ناقصة، وإجراءات غير مكتملة و لم يعد بوسعه أن يدافع عن نفسه، ولا أن يروي ما حدث وكل ما تبقى هو مسؤولية من بيدهم القرار: أن يُدركوا أن العدالة لا تتحقق فقط بإصدار نتائج، بل ببناء ثقة تُسبق النتائج وتُصاحبها.
قد تُكشف الحقيقة يومًا ما أو قد تبقى طيّ الغموض لكن المؤكد أن ما حدث حتى الآن لا يُغلق الملف، بل يفتحه على اتساعه لأن الحقيقة حين لا تُصان في وقتها، تصبح أكثر كلفة حين نحاول استعادتها.
وربما، في قضايا كهذه، لا يكون السؤال: ماذا حدث؟
بل: لماذا لم نعرف كيف حدث في حينه؟
ورغم ان الإجابة معروفه لكننا تراخينا لا ادري اهو جُبن أم …وكيف نستفيض من طرح قضايا مماثلة مالم ياتي حق من سلفنا وانتهكت روحه وسيرته وما زال بعض المتضررين انتشار علمه يحاولون تشويهه.
مواضيع ذات صلة|
كتبنا وحاولنا نساعد العدالة دون اصغاءها لنا

ليس تغييراً بل تطوراٌ