القائمة

حين تصبح الصرعة رسالة”فمن يعيد تشكيل ذوق الأجيال؟!

Linda Seleem شهرين مضت 0 8.9 ألف

بقلم د.ليندا سليم

في كل عصر تظهر موجات جديدة في الفن والموضة وأنماط التعبير الشخصي، لكن السؤال الذي يستحق التأمل ليس ماذا يرتدي الناس، بل من يصنع الذوق العام؟ ومن يحدد ما هو مقبول أو مرفوض أو جدير بالتقليد؟

لم تعد صناعة الترفيه مجرد مساحة للغناء أو التمثيل أو عرض الأزياء، بل أصبحت واحدة من أقوى أدوات التأثير الاجتماعي والثقافي. فالمشهد الذي يتكرر على الشاشات ومنصات التواصل يتحول مع الوقت إلى نموذج ذهني، ثم إلى سلوك، ثم إلى معيار يقاس عليه الآخرون. وهنا تكمن خطورة التأثير غير المباشر، لأن المتلقي لا يشعر غالبًا أنه يتعرض لعملية تشكيل وعي، بل يظن أنه يختار بحرية كاملة.

المشكلة ليست في اختلاف الأذواق بل في انعدامها ،أو كما يدعونها تنوع أشكال التعبير، فذلك جزء طبيعي من حركة المجتمعات، وإنما في تحويل كل جديد إلى قيمة مطلقة لا يجوز نقدها أو مناقشتها، فعندما يصبح الجدل حول الهوية والانتماء والقيم مجرد موضة عابرة، يفقد الشباب القدرة على التمييز بين ما يعبر عن شخصيتهم الحقيقية وما تم تسويقه لهم على أنه رمز للتقدم أو التحرر.

إن المجتمعات القوية لا تخاف من التجديد، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بقطع الصلة بين الأجيال أو تذويب الخصوصية الثقافية والدينية والوطنية. فالتوازن الحقيقي يتحقق عندما يكون الإنسان منفتحًا على العالم دون أن يفقد جذوره، وقادرًا على متابعة المتغيرات دون أن يتحول إلى نسخة مكررة مما يراه على الشاشات.

ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه كل شاب على نفسه هو: هل أنا أختار ما أراه مناسبًا لقيمي وقناعاتي، أم أنني أتبنى ما يروج له الآخرون فقط لأنه منتشر ويحظى بالضجيج الإعلامي؟

فالأمم لا تُهزم فقط بالقوة الصلبة، بل قد تُستنزف أيضًا عندما تفقد ثقتها في هويتها، وعندما يصبح التقليد أسبق من التفكير، والانبهار أقوى من الوعي، لذلك يبقى الوعي النقدي هو الحصن الأخير الذي يحمي الإنسان من أن يكون مجرد متلقٍ للرسائل الخفية التي تتدفق إليه كل يوم.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *