القائمة

حين تختلط القيم بالأعراف: لماذا يشعُر المُهاجر العربي في أوروبا بغُربة مُضاعفة؟

غرفة الأخبار أسبوع واحد مضت 0 6.2 ألف

من أكثر الأخطاء شيوعًا لدى كثير من المهاجرين العرب إلى أوروبا، وحتى نسبة لا بأس بها من المقيمين على الأراضي الأوروبية ،النظر إلى المجتمع الأوروبي باعتباره “كتلة واحدة” من القيم والسلوكيات والعادات، دون التمييز بين ما هو أخلاقي، وما هو إنساني، وما هو مجرد سلوك اجتماعي أو عرف ثقافي.

هذا الخلط لا يخلق فقط سوء فهم متبادل، بل يدفع كثيرين إلى العيش في حالة “ ازدواجية اجتماعية تصل لحد غُربة مضاعفة”: غُربة عن المُجتمع الجديد، وغُربة عن القُدرة على فهمه وتفسيره.

فليست كل عادة قيمة، وليست كل قيمة قانونًا، وليست كل تصرف يومي انعكاسًا للأخلاق بالضرورة. هنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

أولًا: ما الفرق بين القيم الأخلاقية والصفات الإنسانية والسلوكيات المجتمعية؟

هي المبادئ الكبرى التي تتعلق بالخير والشر، والعدل والظلم، والصدق والكذب، واحترام الإنسان وحقوقه.

هذه القيم غالبًا ما تكون مُشتركة بين البشر مهما اختلفت ثقافاتهم أو أديانهم.

فعندما يرفض المُجتمع الأوروبي التمييز العنصري، أو يُحاسب المسؤول الفاسد، أو يحمي حق الطفل والمرأة وذوي الاحتياجات الخاصة، فهو يتحرك وفق منظومة أخلاقية وقانونية تعتبر الإنسان قيمة عُليا.

لكن بعض المهاجرين قد يختزلون الأخلاق في المظاهر فقط، فيرون مثلًا أن طريقة اللباس أو العلاقات الاجتماعية هي المعيار الوحيد للأخلاق، بينما يتجاهلون قيمًا أخرى مثل احترام القانون، الالتزام بالمواعيد، حماية الخصوصية، أو عدم التعدي على المجال العام.

وهنا يحدث أول اصطدام ثقافي.

هي المشاعر والطبائع البشرية العامة مثل الرحمة، التعاطف، الحنان، الغضب، الحُب، الخوف، والغيرة.

هذه الصفات موجودة عند كل الشعوب، لكنها تختلف في طريقة التعبير عنها.

فالعربي والشرقي قد يُعبر عن محبته بالسؤال المُتكرر والتدخل في التفاصيل الشخصية، بينما يرى الأوروبي أن احترام المساحة الخاصة نوع من الاحترام والمحبة أيضًا.

الأم العربية قد تعتبر الإلحاح على ابنها خوفًا واهتمامًا، بينما قد يرى المُجتمع الأوروبي أن الاستقلالية المُبكرة تبني شخصية قوية ومسؤولة.

المشكلة ليست في وجود المشاعر، بل في “لغة التعبير” عنها.

3. السلوكيات المُجتمعية والعادات

وهنا تكمن المنطقة الأكثر التباسًا.

العادات ليست دائمًا أخلاقًا، بل هي طرق اعتادت المُجتمعات على تنظيم حياتها بها.

طريقة التحية . . أسلوب الحديث . . العلاقة بالجيران . . مفهوم الضيافة . . طريقة اللباس . . طبيعة العلاقات الأسرية… كلها سلوكيات اجتماعية تختلف من شعب لآخر.

في الشرق والعالم العربي بصفة خاصة، قد يُعتبر عدم سؤال الجار عن تفاصيل حياته نوعًا من البرود أو قلة الأصل، بينما في أوروبا قد يُعتبر الإلحاح في الأسئلة تدخلاً غير مقبول.

في بعض المُجتمعات العربية، من الطبيعي أن يزورك قريب دون موعد مُسبق، أما في أوروبا فقد يُنظر للأمر باعتباره تعديًا على الخصوصية.

إذن نحن هنا لا نتحدث عن “أخلاق” بل عن ” أنماط حياة “.

لماذا يفشل بعض المهاجرين في فهم المُجتمعات الأوروبية؟

لأنهم يُفسرون كل اختلاف باعتباره صراعًا أخلاقيًا، بينما هو أحيانًا مُجرد اختلاف ثقافي.

بعضهم يظن أن المجتمع الأوروبي “بارد” لأنه لا يتدخل في حياة الآخرين، بينما الحقيقة أن هذا المُجتمع بُني على تقديس الخصوصية الفردية.

وبعض الأوروبيين بدورهم يسيئون فهم العرب، فيعتبرون التلقائية العربية أو الحميمية الزائدة نوعًا من التطفُل، بينما هي في الثقافة العربية تعبير عن الود والانتماء.

هكذا ينشأ سوء الفهم المتبادل.

بين ازدواجية حياة وغُربة مُضاعفة

المهاجر الذي لا يفرّق بين القيم والعادات يعيش غالبًا حالة ارتباك نفسي وفكري:

فهو يخشى أن يفقد هويته إذا تأقلم.

ويخشى أن يُرفض إذا بقي مُنغلقًا.

ويرى كل اختلاف تهديدًا لا تنوعًا.

فيعيش جسديًا في أوروبا، لكنه ذهنيًا في حالة مقاومة دائمة لها.

ومع الوقت، قد يتحول الأمر إلى عزلة ثقافية، حيث يكتفي المهاجر بدائرة مغلقة من أبناء جاليته، لا لأنه يرفض المجتمع الجديد فقط، بل لأنه لم يفهم مفاتيح التعامل معه.

الاندماج لا يعني الذوبان

أحد أكبر المفاهيم المغلوطة أن الاندماج يعني التخلي عن الهوية.

الحقيقة أن الاندماج الصحي يعني:

احترام قوانين المجتمع،

وفهم ثقافته،

والتمييز بين ما هو إنساني وما هو مجرد عادة،

مع الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية والدينية دون عداء أو انعزال.

فليس مطلوبًا من العربي أن يتحول إلى نسخة أوروبية، ولا من الأوروبي أن يتبنى الثقافة العربية بالكامل، بل المطلوب مساحة مشتركة من الفهم والاحترام.

أوروبا ليست مدينة فاضلة… وليست جحيمًا أخلاقيًا

من السذاجة تصوير أوروبا باعتبارها المثال الكامل للحرية والإنسانية، كما أن من الظلم اختزالها في صور الانحلال الأخلاقي فقط.

فيها إيجابيات عظيمة مثل احترام النظام والحقوق والشفافية، وفيها أيضًا أزمات مثل الفردانية المفرطة، والتفكك الأسري أحيانًا، والعزلة النفسية.

وكذلك المجتمعات العربية ليست كتلة واحدة من الفضيلة أو التخلف، بل تحتوي على دفء إنساني وتماسك عائلي وروابط اجتماعية قوية، وفي الوقت نفسه تعاني أحيانًا من الاستبداد الاجتماعي، والوصاية، وخلط الدين بالعادات.

المجتمعات البشرية كلها تحمل النور والظل معًا.

رؤيتي هى :

أكبر خطوة نحو اندماج صحي للمهاجر العربي في أوروبا تبدأ من الفهم، لا من الرفض أو التقليد الأعمى.

فحين ندرك أن:

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *