د.أسامة أحمد زارع يكتب|
“الهاتف لم يعد مجرد وسيلة اتصال… بل أصبح حياة كاملة نحملها في جيوبنا.
نستيقظ على إشعاراته، وننام على ضوء شاشته، نضحك من خلاله، نحزن بسببه، ونتابع العالم كله في لحظة واحدة، حتى أصبح الواقع أحيانًا أقل حضورًا من شاشة صغيرة بين أيدينا.”
لكن وسط هذا التحول الكبير، ظهر جيل مختلف… جيل يمتلك من الوعي والقدرة ما لم تمتلكه أجيال كثيرة من قبل.
جيل الشباب الذي لم يعد مجرد متلقٍ للأحداث، بل أصبح قادرًا على صناعتها ونقلها والتأثير فيها، خاصة مع ظهور صحافة الموبايل التي جعلت الهاتف غرفة أخبار متنقلة في يد كل شاب واعٍ ومسؤول.
فاليوم، لم يعد الصحفي ينتظر الكاميرات الضخمة أو المؤسسات التقليدية، بل أصبح بإمكان شاب يحمل هاتفًا فقط أن يوثق لحظة إنسانية، أو يكشف حقيقة، أو ينقل صوت الناس إلى العالم كله في ثوانٍ معدودة.
ورغم كل ما يُقال عن ضياع هذا الجيل، إلا أن الحقيقة أن شباب اليوم يملكون طاقة هائلة، ووعيًا متجددًا، وقدرة استثنائية على التعلم والتأثير والتغيير، لكنهم يعيشون أيضًا تحت ضغط نفسي وفكري غير مسبوق؛ عالم سريع، ومقارنات لا تنتهي، وضوضاء رقمية تستهلك العقل والمشاعر يوميًا.
المشكلة لم تكن يومًا في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي نستخدمها بها.
فالهاتف قد يكون وسيلة للوعي، كما قد يتحول إلى وسيلة للعزلة.
وقد يصنع صحفيًا حقيقيًا ينقل الواقع بصدق، أو مجرد شخص يلهث خلف المشاهدات على حساب الحقيقة.
ولعل أخطر ما نواجهه اليوم، أن بعض الشباب أصبحوا يوثقون الحياة أكثر مما يعيشونها، ويبحثون عن التفاعل أكثر من بحثهم عن المعنى الحقيقي لما يقدمونه.
ومع ذلك، يبقى الأمل دائمًا في هذا الجيل، لأنه الجيل الأكثر قدرة على إعادة تشكيل الوعي إذا امتلك المعرفة، والأخلاق، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.
فشباب اليوم ليسوا أزمة كما يظن البعض… بل فرصة عظيمة تحتاج فقط إلى من يفهمهم، ويمنحهم الثقة، ويوجه طاقتهم نحو البناء لا الاستنزاف.
“ربما لم يعد السؤال الحقيقي: ماذا نفعل بالهاتف؟
بل: كيف نحافظ على إنسانيتنا في عالم أصبحت فيه الشاشة أقرب إلينا من الواقع نفسه؟”
