كتب | سعيد السُبكي
حظر صفحة «تايم نيوز أوروبا بالعربي» يكشف الوجه الحقيقي لادعاءات الديمقراطية
مرةً أخرى يسقط القناع.
ومرةً أخرى تثبت الوقائع أن الغرب الذي لا يتوقف عن إعطاء العالم دروسًا صباح مساء في «حرية التعبير» و«حقوق الإنسان» و«الرأي والرأي الآخر»، لا يحتمل في الحقيقة سوى الصوت الذي يصفق له، ويُعيد إنتاج روايته الرسمية دون نقاش أو تساؤل.
لقد تم حظر صفحة «تايم نيوز أوروبا بالعربي» على موقع «فيسبوك»، فقط لأننا تناولنا بالنشر موضوعات تتعلق بفيروس «هانتا»، وطرحنا تساؤلات صحفية مشروعة حول احتمالات تحوله إلى تهديد عالمي جديد، في وقت أصبح فيه العالم أكثر حساسية تجاه الأوبئة بعد كارثة كورونا التي غيّرت وجه البشرية.
لم نحرض على العنف.
لم ننشر خطاب كراهية.
لم ندعُ إلى الفوضى.
كل ما فعلناه أننا مارسنا حقًا طبيعيًا لأي مؤسسة صحفية: نقل المعلومات، وفتح باب النقاش، وطرح الأسئلة.
لكن يبدو أن السؤال نفسه أصبح جريمة عندما لا يرضي «حرّاس الحقيقة» الجدد في الغرب.
الغرب الذي يخاف من السؤال
المفارقة الصادمة أن الدول والمنصات التي تتحدث باستمرار عن الديمقراطية وحرية الرأي، أصبحت اليوم الأكثر خوفًا من أي رأي مستقل.
فما إن يخرج صوت خارج الإطار المرسوم مسبقًا، حتى تبدأ حملات التضييق والحظر والتكميم تحت عناوين براقة مثل:
«مخالفة المعايير»
«معلومات مضللة»
«حماية المجتمع»
وكأن الحقيقة أصبحت ملكية حصرية لشركات التكنولوجيا العملاقة، أو للحكومات، أو لمراكز النفوذ الإعلامي.
لقد تحولت المنصات الرقمية من فضاءات مفتوحة للحوار إلى أدوات رقابة ضخمة تتحكم فيما يقرأه الناس، وما يُسمح لهم بمعرفته، وما يجب دفنه وإسكاته.
كورونا لم تكن كافية؟
خلال جائحة كورونا، شاهد العالم بأكمله كيف جرى إسكات عشرات الأصوات العلمية والإعلامية التي طرحت أسئلة مختلفة، قبل أن يتبين لاحقًا أن كثيرًا من تلك الأسئلة كان مشروعًا ويستحق النقاش.
لكن يبدو أن الدرس لم يُستوعب.
فبدلًا من توسيع مساحة النقاش، أصبح الغرب أكثر شراسة في محاربة أي رواية لا تمر عبر بواباته الرسمية.
وأصبح مجرد الحديث عن فيروس جديد، أو التحذير من مخاطر محتملة، مدخلًا للحظر والإقصاء.
حرية التعبير… ولكن بشروطهم
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح إن حرية التعبير في الغرب لم تعد قيمة مطلقة كما يدّعون، بل امتيازًا مؤقتًا يُمنح لمن يلتزم بالسقف المحدد له.
أما من يقترب من الملفات الحساسة، أو يطرح أسئلة محرجة، أو يخرج عن السياق المطلوب، فيتعرض للتشويه أو الحجب أو الإلغاء الكامل.
إن أخطر ما في الأمر ليس حظر صفحة هنا أو إغلاق حساب هناك، بل تكريس ثقافة الخوف من الكلام، وتحويل الصحافة إلى مجرد نسخة مكررة من الخطاب الرسمي.
لن نصمت
ورغم كل محاولات التقييد، ستبقى الكلمة الحرة أقوى من أي زر حذف.
فالصحافة الحقيقية لا تُقاس بعدد الصفحات المحظورة، بل بقدرتها على إزعاج أصحاب النفوذ وكشف التناقضات وطرح الأسئلة التي يخشاها الآخرون.
قد تُغلق صفحة…
لكن لا يمكن إغلاق الحقيقة.
