كتب | سعيد السُبكي
“استكمالا لمقالتي السابقة “العاطفة الوطنية والعمل الاحترافي | كيف يُمكن للمصريين في الخارج دعم صورة مصر الحقيقية؟” :
لم يعد مقبولًا أن نظل نتحرك بردود أفعال متفرقة كلما تعرضت صورة مصر لهجوم أو تشويه في الخارج، ثم نعود بعد أيام إلى الصمت وكأن شيئًا لم يكن.
العالم تغير، ومعارك العصر لم تعد تُدار فقط بالسياسة أو القوة، بل بالمعلومات والصورة الذهنية والقدرة على التأثير في الرأي العام الدولي.
ولهذا فإنني أطرح اليوم نداءً واضحًا من أجل البدء في مشروع وطني احترافي طويل المدى يهدف إلى حماية صورة مصر في الخارج عبر أدوات علمية وإعلامية حديثة، بعيدًا عن العاطفة المؤقتة أو الخطابات الانفعالية التي نخاطب بها أنفسنا أكثر مما نخاطب بها العالم.
أطرح اليوم رؤية عملية لاستراتيجية موحدة طويلة المدى، قابلة للتنفيذ، تهدف إلى حماية صورة مصر من أي تشويه ومغالطات ، سواء كان مقصودًا أو ناتجًا عن نقص المعلومات أو غياب التواصل الاحترافي مع عن المصادر الموثوقة.
لقد أثبتت التجارب أن الدفاع العاطفي وحده لم يعد كافيًا في عالم تُصنع فيه الصور الذهنية عبر وسائل الإعلام ومراكز البحث والجامعات والمنصات الرقمية. لذلك أصبح من الضروري الانتقال من ردود الأفعال المؤقتة إلى بناء مشروع مؤسسي هادئ ومُستدام يعتمد على المعرفة والمصداقية والخطاب العقلاني.
وتتمثل رؤيتي في إنشاء بنك معلومات مصري أوروبي يضم قاعدة بيانات للشخصيات المصرية القادرة على التواصل الفعال مع وسائل الإعلام ومؤسسات الرأي العام داخل دول الاتحاد الأوروبي.
ويشمل ذلك أكاديميين، وصحفيين، وباحثين، وأطباء، ومهندسين، ورجال أعمال، وطلاب دراسات عليا، ممن يجيدون لغة البلد الذي يقيمون فيه، ويفهمون ثقافته وآليات التأثير داخله.
الفكرة لا تقوم على الحشد أو الدعاية، بل على بناء شبكة كوادر مُحترفة تستطيع كتابة مقالات رأي مدروسة، تستند إلى معلومات موثقة ومراجع ذات مصداقية، وتقديم رواية متوازنة وعقلانية حول القضايا المُتعلقة بمصر والمنطقة العربية عند الضرورة.
كما يمكن لهذه الكوادر تنظيم محاضرات وندوات داخل الجامعات والمعاهد العليا ومراكز الأبحاث الأوروبية، لأن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط في نشر الأخبار، بل في صناعة الفهم العميق لدى الأجيال الجديدة وصناع القرار المستقبليين.
ومن هنا تبرز أهمية إنشاء كيان معرفي دائم تحت اسم:
“مركز المعلومات والوثائق المصرية”
ليكون منصة مُستقلة مُتعددة اللغات تعمل وفق أسلوب احترافي حديث، بعيدًا عن اللغة الدعائية التقليدية أو البيانات الحكومية الجامدة التي غالبًا لا تصل إلى الجمهور الغربي المؤثر.
هذا المركز يمكن أن يبدأ بإمكانات بسيطة عبر منصة إلكترونية حديثة تُقدم محتوى موثقًا باللغات الأوروبية المختلفة، يشمل:
مقالات تحليلية.
دراسات مختصرة.
أرشيفًا تاريخيًا موثقًا.
ردودًا علمية على المعلومات المغلوطة.
مواد إعلامية قابلة للاستخدام الصحفي والأكاديمي.
وللخروج من دائرة التبريرات المعتادة المتعلقة بضعف الميزانيات، فإن التكنولوجيا الحديثة جعلت من الممكن تأسيس مثل هذا المشروع بتكاليف محدودة نسبيًا، خاصة إذا اعتمد على العمل التطوعي الاحترافي والتعاون بين الخبرات المصرية بالخارج.
الأهم من ذلك كله هو تغيير طريقة التفكير نفسها.
فما زلنا — في كثير من الأحيان — نتحدث إلى أنفسنا وعن أنفسنا، ونكرر الخطاب ذاته داخل دوائر مُغلقة، بينما الجمهور المستهدف الحقيقي لا يسمعنا أصلًا.
إن مخاطبة الآخر بلغته، وفهم عقليته، واحترام أدواته الإعلامية والثقافية، لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية لحماية صورة أي دولة تريد أن تكون حاضرة ومؤثرة في العالم الحديث.
المعركة اليوم ليست معركة شعارات، بل معركة رواية ومعلومة وتأثير طويل المدى.
ويبقى الباب مفتوحا لاثراء فكرة المشروع فكلنا شُركاء فى هموم الوطن.
