ماجدة محمود… تكتب
في عالم يقف على حافة الاشتعال بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لم يعد السؤال هل هناك توتر بل إلى أي مدى يمكن أن ينفجر هذا التوتر ومتى يتحول من لعبة أعصاب إلى نار لا يمكن إخمادها ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف سياسي أو عسكري بل اختبار حقيقي لقدرة العالم على تجنب كارثة جديدة في زمن لم يعد يحتمل المزيد من الحروب الكبرى فبينما تتبادل القوى الرسائل الصاروخية والتهديدات الدبلوماسية يقف مضيق هرمز كقلب نابض للأزمة نقطة ضيقة جغرافياً لكنها قادرة على خنق اقتصاد العالم بالكامل في لحظة واحدة حيث تمر نسبة ضخمة من نفط العالم ما يجعل أي شرارة هناك كفيلة بإشعال أزمة عالمية تمتد آثارها من الخليج إلى كل بيت على هذا الكوكب
الواقع الحالي يكشف معادلة معقدة لا غالب فيها ولا مغلوب الولايات المتحدة تمتلك التفوق العسكري الساحق والتكنولوجيا والقدرة على توجيه ضربات دقيقة في أي وقت بينما إيران تعتمد على أسلوب مختلف يقوم على الاستنزاف والرد غير التقليدي من صواريخ وطائرات مسيرة وشبكات نفوذ إقليمية تجعل أي مواجهة مفتوحة مكلفة للطرفين وهو ما يفسر لماذا لم تتحول التهديدات حتى الآن إلى حرب شاملة بل بقيت في إطار الردع المتبادل والهدنة الهشة التي يمكن أن تنهار في أي لحظة هذه الهدنة ليست سلاماً بل مجرد تأجيل للصدام وكأن العالم يحبس أنفاسه في انتظار قرار قد يأتي فجأة ويغير كل شيء
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في المواجهة المباشرة بل في اتساع رقعة الصراع بشكل يصعب السيطرة عليه فدخول أطراف أخرى مثل إسرائيل أو امتداد المواجهة إلى دول الخليج سيحول النزاع من ثنائي إلى إقليمي واسع وقد يفتح الباب أمام تدخلات دولية غير مباشرة من قوى كبرى مثل روسيا والصين ليس بدافع الحرب المباشرة ولكن لحماية مصالحها وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً وتشابكاً في لحظة تاريخية شديدة الحساسية
ولو اندلعت الحرب فإن شكلها لن يكون كما عرفناه في الماضي لن تكون جيوشاً تتقدم على الأرض بقدر ما ستكون صواريخ دقيقة وطائرات بدون طيار وهجمات سيبرانية تضرب البنية التحتية وتعطل الحياة اليومية خلال ساعات قليلة وستكون المعركة الحقيقية على الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية حيث يصبح إغلاق مضيق هرمز أو حتى تهديده كافياً لرفع أسعار النفط بشكل جنوني وإحداث صدمة اقتصادية عالمية تمتد آثارها إلى أبسط تفاصيل حياة الناس من أسعار الوقود إلى تكلفة الغذاء والنقل
وفي قلب هذا المشهد تقف دول المنطقة وعلى رأسها دول الخليج في وضع بالغ الحساسية فهي ليست طرفاً مباشراً في الحرب لكنها تقع في مرمى الخطر من حيث القواعد العسكرية والمنشآت النفطية والممرات الحيوية ما يجعلها الأكثر تأثراً رغم محاولاتها المستمرة لاحتواء التوتر وتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة وبينما تحاول هذه الدول الحفاظ على التوازن فإن أي خطأ في الحسابات قد يدفعها رغماً عنها إلى قلب الصراع
أما الشعوب فهي الطرف الذي لا صوت له في هذه المعادلة لكنها تتحمل الثمن الأكبر دائماً فكل صاروخ يطلق وكل تهديد يعلن لا ينعكس فقط على خرائط السياسة بل على حياة ملايين البشر الذين يدفعون تكلفة قرارات لم يشاركوا فيها من ارتفاع الأسعار إلى فقدان الاستقرار إلى الخوف من مستقبل مجهول وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس من الأقوى عسكرياً ولا من يكسب المعركة بل من سيدفع الثمن الإنساني لهذه المواجهة
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى استعراض القوة بقدر ما يحتاج إلى شجاعة السلام فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الحرب بل في القدرة على تجنبها وفي لحظة كهذه يصبح الحوار ليس خياراً سياسياً بل ضرورة إنسانية لأن البديل ليس مجرد خسائر عسكرية بل خسارة إنسانية واقتصادية قد تمتد آثارها لسنوات طويلة
وفي النهاية قد يختلف الساسة وتتصارع المصالح لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن أي حرب جديدة في هذا العصر لن تكون انتصاراً لأحد بل خسارة للجميع وأن إنقاذ الإنسان يجب أن يكون فوق كل حسابات النفوذ والقوة فالتاريخ لا يرحم من أشعلوا الحروب لكنه دائماً ينحني احتراماً لمن أوقفوها قبل أن تبدأ
magy-news@hotmail.com
