القائمة

ثمن عدم اليقين

ليندا سليم شهرين مضت 0 8.8 ألف

بقلم: د. علي الدكروري

عندما يقرر المستثمر إنشاء مصنع أو شراء سندات أو ضخ أموال في مشروع طويل الأجل، فإنه لا ينظر فقط إلى حجم الاقتصاد أو الضرائب أو تكلفة العمالة والطاقة. هناك عنصر آخر قد يكون أقل ظهورًا في الأرقام، لكنه شديد التأثير في القرار: وضوح المستقبل.

وما يحدث حاليًا في فرنسا يقدم مثالًا مهمًا على العلاقة بين السياسة والاقتصاد والاستثمار، بعيدًا عن الانحياز لأي اتجاه سياسي.

فمع اقتراب موسم إعداد الموازنة الفرنسية، وفي ظل برلمان لا يتمتع فيه طرف واحد بأغلبية واضحة، بدأت الأسواق تضع قدرًا أكبر من عدم اليقين داخل حساباتها. وارتفع الفارق بين تكلفة اقتراض فرنسا وألمانيا لعشر سنوات إلى نحو 88 نقطة أساس، وهو من أعلى مستوياته خلال الفترة الأخيرة.

قد يبدو الرقم فنيًا، لكن معناه بسيط: عندما يشعر المستثمر بزيادة المخاطر، يطلب عائدًا أكبر مقابل أمواله.

وهكذا تتحول الثقة إلى رقم، وعدم اليقين إلى تكلفة.

المستثمر يستطيع حساب الضريبة.. لكنه لا يستطيع حساب المفاجأة

قد تستثمر شركة في دولة تعرف مسبقًا أن الضرائب فيها مرتفعة نسبيًا، لأنها تستطيع إدخال هذه التكلفة في دراسة المشروع.

لكن الأمر يصبح أكثر صعوبة عندما لا تستطيع الشركة توقع القواعد التي ستعمل في ظلها بعد عامين أو خمسة أعوام.

فالاستثمار طويل الأجل يحتاج إلى قدر معقول من القدرة على التوقع. وهذا لا يعني أن السياسات يجب ألا تتغير، فكل حكومة تحتاج إلى تعديل قراراتها وفق الظروف، لكن المهم أن تكون القواعد واضحة، والتغييرات مفهومة، ومسار القرار قابلًا للقراءة.

ولهذا أصبح استقرار القواعد ووضوح السياسات أصلًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن الطرق والموانئ والطاقة.

الموازنة رسالة للأسواق

كثيرون ينظرون إلى الموازنة العامة باعتبارها جدولًا للإيرادات والمصروفات، لكن المستثمر يقرأها بطريقة مختلفة.

هو يريد أن يعرف: هل تستطيع الدولة تمويل احتياجاتها؟ وهل تتحرك الديون في مسار يمكن إدارته؟ وما أولويات الإنفاق؟ وكيف ترى الحكومة اقتصادها خلال السنوات المقبلة؟

بمعنى آخر، الموازنة ليست أرقامًا فقط، بل رسالة عن المستقبل.

وكلما كانت هذه الرسالة واضحة، أصبح تقييم المخاطر أسهل. أما عندما يصبح المسار غير واضح، فإن الأسواق لا تنتظر ظهور المشكلة، بل تبدأ في احتساب احتمال حدوثها مسبقًا.

عدم اليقين يصل إلى الشركات

ارتفاع تكلفة التمويل لا يتوقف أثره عند الحكومة.

فعندما ترتفع تكلفة اقتراض الدولة، يمكن أن يمتد التأثير تدريجيًا إلى الشركات والمشروعات الجديدة. ويصبح المستثمر مطالبًا بتحقيق عائد أكبر حتى يبرر ضخ رأس المال.

وقد يؤدي ذلك إلى تأجيل بعض المشروعات التي كانت قابلة للتنفيذ عند تكلفة تمويل أقل.

ولهذا فإن استقرار السياسة المالية ليس قضية تخص الحكومات وحدها، بل هو جزء أساسي من بيئة الاستثمار.

أوروبا تحتاج إلى الثقة بقدر حاجتها إلى المال

تحتاج أوروبا خلال السنوات المقبلة إلى استثمارات ضخمة في الصناعة والطاقة والبنية الأساسية والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وغيرها من القطاعات.

ولا تستطيع الحكومات تمويل كل هذه الاحتياجات وحدها.

لذلك تحتاج القارة إلى جذب رأس المال الخاص وتحويل المدخرات إلى مشروعات منتجة، وهنا تصبح الثقة عنصرًا تنافسيًا.

فإذا كان أمام المستثمر مشروعان متقاربان في العائد، فقد يفضل الدولة التي يستطيع توقع قواعدها الاقتصادية بصورة أفضل، حتى لو لم تكن الأرخص في كل شيء.

وفرنسا تظل واحدة من أكبر اقتصادات العالم، وتمتلك شركات عالمية وقاعدة صناعية قوية وسوقًا كبيرة ومؤسسات راسخة. لذلك فإن القضية ليست تقييم الاقتصاد الفرنسي، وإنما قراءة الدرس الاقتصادي الأوسع:

الأسواق لا تسعّر أرقام اليوم فقط، بل تسعّر أيضًا درجة الثقة في الغد.

خلاصة الدكروري

المستثمر يستطيع أن يحسب سعر الأرض والعمالة والطاقة والضرائب، لكنه يجد صعوبة أكبر في حساب المفاجآت. ولهذا فإن وضوح السياسات واستقرار القواعد ليسا مجرد مسألة سياسية، بل ميزة استثمارية لها قيمة مالية حقيقية.

فالثقة قد لا تظهر كبند في الموازنة، لكنها تستطيع أن تخفض تكلفة تمويلها، وعدم اليقين قد لا يظهر كضريبة، لكنه قد يجعل الاقتصاد يدفع ثمنه.

كتب بواسطة

الدكتورة ليندا سليم هي كاتبة صحفية وباحثة حاصلة على درجة الدكتوراه، وتُعرف بمقالاتها وآرائها الإعلامية المنشورة في منصات مثل تايم نيوز أوروبا بالعربي وموقع التعليم اليوم, حيث تناقش قضايا التعليم، وأبناء المصريين في الخارج، والشؤون الاجتماعية والثقافية.

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *