القائمة

تَحرُش النواعم

Linda Seleem 3 أسابيع مضت 0 4.9 ألف

لم يعد التحرش في عصر الرقمنة مرتبطًا بصورة نمطية لرجل يطارد امرأة في شارع أو مكان عام، بل تغيرت الأدوار، وتبدلت الأساليب، وأصبح التحرش أحيانًا يأتي من داخل دوائر الثقة القريبة، وبأساليب ناعمة يصعب اكتشافها في بدايتها، لكنها تترك آثارًا نفسية وإجتماعية عميقة.

الأخطر اليوم ليس فقط في فعل التحرش ذاته، بل في أن يحدث من أشخاص يدخلون البيوت من أبواب الإحترام والثقة والعمل والتعليم والجيرة، إلى منصاتنا الفضائية فيتحول الأمان إلى ارتباك، والثقة إلى توتر، والعلاقات الإجتماعية إلى مناطق ملغومة بالصمت والحرج او ربما الإنفلات .

قد تكون المتحرشة زميلة في العمل، أو صديقة للزوجة، أو جارة، أو شريكة في مشروع، أو زميلة دراسة، وقد تكون معلمة لطالب أو قريبة للأسرة، وهنا تكمن خطورة هذا النوع من التحرش، لأنه لا يأتي من غريب يمكن تجنبه، بل من شخص موجود في محيط الحياة اليومية، مما يجعل المواجهة أصعب، والسكوت أكثر، والتوتر أكبر. في هذه الحالات لا يكون الأذى لحظيًا فقط، بل يمتد ليؤثر على علاقات أسرية واجتماعية ومهنية، وقد يخلق مشكلات أكبر من الفعل نفسه، لأن كشفه قد يسبب فضائح أو خلافات أو قطيعة بين أسر وأصدقاء وشركاء عمل.

تحرش المرأة في كثير من الحالات لا يكون فجًا أو مباشرًا، بل يبدأ بما يمكن تسميته التحرش الناعم، مثل الرسائل المتكررة خارج إطار العمل، أو الاهتمام الزائد غير المبرر، أو فتح مواضيع شخصية، أو التلميحات العاطفية، أو محاولة لفت الانتباه بشكل متكرر، أو الغيرة غير المبررة، أو اختبار ردود الفعل، أو محاولة خلق علاقة خاصة خارج حدود العلاقة الطبيعية.

هذه الأفعال قد يراها البعض عادية أو مجرد مجاملة أو إعجاب، لكنها تتحول إلى تحرش عندما يكون الطرف الآخر غير راغب أو يشعر بالضغط أو الإزعاج أو التعدي على خصوصيته.

المشكلة الأكبر أن الرجل في هذه الحالات غالبًا لا يتكلم، لأن المجتمع لا يتعامل بجدية مع فكرة تعرض الرجل للتحرش من امرأة، وقد يقابل الأمر بالسخرية أو الاستهزاء أو التقليل من شأنه، فيتحول الصمت إلى الحل الأسهل، وتتحول المشكلة إلى ضغط نفسي صامت، هذا الصمت لا يعني أن الأمر غير موجود، بل يعني فقط أنه غير مُعلن، وهو ما يجعل الظاهرة أخطر لأنها تحدث في الظل بلا نقاش ولا وعي ولا ردع إجتماعي.

وسائل التواصل الإجتماعي جعلت الأمر أسهل وأسرع، فبعد أن كانت العلاقات محكومة بالمكان والوقت، أصبحت الرسائل تصل في أي وقت، والمحادثات تستمر بلا حدود، والخصوصية أصبحت سهلة الاختراق، ويمكن لأي شخص أن يفتح باب تواصل شخصي خارج إطار العلاقة الأساسية، سواء كانت علاقة عمل أو دراسة أو جيرة أو معرفة عائلية. الرقمنة لم تصنع السلوك، لكنها جعلت الوصول أسهل، والاستمرار أسهل، والإنكار أسهل، والضغط النفسي أكبر.

المشكلة في هذا الملف أن كثيرًا من الناس يخلطون بين الحرية الشخصية وتجاوز الحدود، فليس كل تواصل تحرشًا، وليس كل إعجاب جريمة، لكن كل إلحاح غير مرغوب، وكل اقتحام للخصوصية، وكل ضغط عاطفي، وكل محاولة لفرض علاقة غير مرغوبة هو نوع من أنواع التحرش، بغض النظر عن كون الفاعل رجلًا أو امرأة،والمسألة ليست رجلًا وامرأة، بل حدود واحترام وخصوصية ومسؤولية أخلاقية واجتماعية.

في النهاية تبقى المشكلة الأكبر هي غياب الحياء، لأن الحياء لم يكن يومًا ضعفًا، بل كان نظام حماية للعلاقات الاجتماعية، وعندما يسقط الحياء تسقط المسافات بين الناس، وتختلط العلاقات، وتضيع الحدود بين العمل والصداقة والعائلة والمشاعر، وتتحول الحياة الاجتماعية إلى مساحة رمادية مليئة بسوء الفهم والتجاوزات والتوترات الصامتة.

ونستخلص من ذلك ان التحرش الرقمي لم يعد قضية طرف واحد، ولم يعد سلوكًا يمكن حصره في صورة تقليدية قديمة، بل أصبح ظاهرة مرتبطة بتغير المجتمع والعلاقات والرقمنة واختلاط المساحات الاجتماعية،والأخطر ليس فقط في التحرش نفسه، بل في أنه قد يأتي أحيانًا من داخل دوائر الثقة، وبأسلوب هادئ، لكنه يترك آثارًا عميقة،ولذلك فإن أخطر ما نواجهه اليوم ليس فقط التحرش، بل تطبيع التجاوز، وكسر الحدود، وغياب الحياء تحت مسميات الصداقة والحرية والانفتاح.

ولهذا لم يكن اسم الحملة مبالغًا فيه:

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *