بقلم: الشاعر | عباس الصهبي
ينزعج البعض، وبالذات من يجعلون من أنفسهم حماةً للغة العربية الفصحى؛ حين يجدون أبناءهم من جيل الشباب يقول أحدهم للآخر: - هذا الموضوع لا بد من «تتويته»! (بمعنى أنه سيقوم بكتابة «تغريدة» عنه على «تويتر» إحدى وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة المعروفة على «النت»).
وقد يشتد الانزعاج عندما تقول الإبنة أو الإبن أن الموضوع الذي اختلفنا حول حقيقته يحتاج إلى «جوجلة» (أي للبحث عنه في «جوجل»). ويعود مصدر الانزعاج هنا إلى ما بات يشبه «فوبيا» الخوف على لغتنا العربية الفصحى لغة القرآن الكريم، من المحو، أو الاندثار، أو دخول كلمات جديدة أو «غريبة» عليها؛ مع السيل الهادر من الكلمات الجديدة التي وفدت إلينا خلال الفترة الأخيرة- مثلاً- مع ظهور «كورونا»، وعدم اكتفاء المثقفين منا بنطق اسمه الغريب على آذاننا العربية وإنما نطق اسمه العلمي الأدق في الدلالة عليه: «كوڤيد-19».
ويُذكّرني هذا بما قاله لي أحد أصدقائي المشايخ المستنيرين، عندما هنأته بنجاح برنامجه على إحدى الفضائيات، وبالتحديد كانت التهنئة على أسلوبه الراقي المهذب في توجيه نصحه؛ حيث فاجأني ضاحكاً هو نفسه مما سيقوله لي: - تصوًر يا سيدي أحد شبابنا قال لي إنه اختلف مع صديقه في مسألة فقهية بسيطة فلما طال النزاع بينهما قال له صديقه دعنا نسأل الشيخ «جوجل»! وأضاف الشيخ: - وبعد أن بحث الصديقان في مواقع البحث على «جوجل» التقيا بي وأرادا أن يسمعا الإجابة مني شفاهةً من فمي! إلى هذاالحد – والكلام لا يزال للشيخ المحترم – أصبح جيلنا الجديد مستعداً لأن يثق في المستحدثات التكنولوجية الجديدة، ويتفاعل معها، بل ويصدقها ما دامت لا تتعدى حدود منطق العصر، وهو بالطبع ليس منطقاً واحداً لأنه يمكن أن تتدخل فيه الأمزجة والميول والرغبات الخاصة، بل والخلفية العلمية والثقافية للأشخاص، والقدرة على التفاعل مع المعلومات الهائلة المتضاعفة بشكل أقرب للمتواليات الهندسية في كل لحظة.

لا خوف على لغتنا الفصحى
غير أننا يجب ألا ننزعج مما يتفوه به شبابنا ومما أصبحت تعج به النشرات الإخبارية العربية وما بات «لا يمكن إلا النطق به» من مصطلحات كثيرة دخلت وعينا اللغوي المعاصر الحالي، مثل: كلمة «جائحة»، وإن كانت من اشتقاق لغتنا الفصحى؛ فكل هذه الكلمات الجديدة يجب التماهي معها، وترديدها، وبنفس حروف نطقها الأصلية والجديدة علينا؛ حتى لا نصبح متخلفين عن نبض وإيقاع ولغة العصر، ومن غير أي خوف على «فصحانا» الرائعة البليغة والتي أطلق عربها ومن زمان الجاهلية على لغات غيرهم من شعوب العالم أنها «لغات أعجمية» وعلى أصحابها «أعاجم» و «عجم» وكأن اللغات الأخرى – غير العربية – لغة أقرب للغات الطيور أو الكائنات غير البشرية!
لا خوف على لغتنا الفصحى، فما نعتبر أنفسنا نعانيه من دخول كلمات كثيرة ومستحدثة على وعينا اللغوي قد حدث ما يشبهه في كل لغات العالم، بل ومنذ قرون طويلة إلى الآن، وخير دليل على ذلك ما يوجد في قواميس اللغات الأوروبية من «كلمات عربية الأصل» عديدة؛ ففي القواميس الإنجليزية على سبيل المثال توجد كلمات عربية مثل:«علم الجبر» Algebra، و«علم الكيمياء»Chemistry، و«الكحول» Alcohol، و«أمير البحار» Admiral، بل وحتى كلمات قد تعتبر بسيطة جداً مثل: «طحينة»Tahini، و«ياسمين» Jasmine، و«أرز» Rice؛ ومع ذلك لم يقل أحد من علماء اللغات في الغرب إن هذه الكلمات العربية الأصل، والوافدة على لغاتهم؛ قد غيَّرت أو زيفت أو أفسدت وعي الأجيال عندهم. لا خوف إذن على عربيتنا الفصحى، وليس هذا بالمقارنة فقط؛ وإنما لما ثبت وبالدليل العلمي والعملي، وبعيداً تماماً عن الأفكار والآراء العنصرية والمتحيزة؛ من أن لغتنا العربية تتميز بين لغات العالم بأنها لغة كثيرة المترادفات في كلماتها ومتنوعة الأساليب، وتتمتع عباراتها بقدرتها على التعبير عن الحقيقة والمجاز، وعن التصريح والكناية.
وقد أهَّل ذلك لغتنا الفصحى العريقة تاريخياً إلى أن تتحول في عصر ظهور الإسلام من أن تكون مجرد لغة للأشعار والخطابة فقط إلى لغة لأرقى الأفكار، بل أصبحت لغة الشرع والفقه بفضل نزول القرآن الكريم بها، ولغة العلم الذي نوَّه القرآن بأهميته، بل وأهمية القراءة في حد ذاتها ومنذ مطلع نزول الوحي بقول: «إقرأ».
وكانت المقارنة حاسمة في القرآن الكريم، ولصالح لغتنا الفصحى؛ من أنها اللغة الأكثر وضوحاً وقدرةً على التعبير، كما حدثنا رب العزة سبحانه وتعالى بالآية الثانية من سورة «يونس»، قائلاً: «إنَّا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون»، وقد أبرز القرآن الكريم تميز، بل وتفرد لغتنا الفصحى؛ في القدرة على التعبير عن كل مقدرات وأنشطة وعلوم الحياة بقوله تعالى في الآيتين «27-28» من سورة «الزمر»: «ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون* قرآناً عربيإ غيرَ ذي عوج لعلهم يتقون» (صدق الله العظيم).
ولعل أفضل دليل على صحة ذلك اتساع لغتنا العربية لترجمة الكثير من علوم الإغريق، بل وتمكن علماؤنا العرب الأفذاذ من أن يؤلفوا فيضيفوا لهذه العلوم، بل ويبتكروا الجديد من هذه العلوم مثل: الكيمياء، والجبر، فدخلت من هنا عدة كلمات من لغتنا الفصحى في لغات العالم وفي اللغات الأوروبية، وهو ما أشرنا إليه في السابق.
لا خوف، وبالتأكيد؛ على لغتنا العربية الفصحى، إطلاقاً؛ إطلاقاً؛ مرة أخرى، ومرات؛ إلا من أبنائها فقط، ولعله تكون لنا عودة لهذه النقطة الأخيرة بشيء من الاستفاضة!
- رئيس شعبة الفصحى برابطة «الزجالين وكُتَّاب الأغاني» المصرية
