القائمة

توت توت…عبد المأمور

Linda Seleem شهرين مضت 0 4.7 ألف

بقلم د.ليندا سليم

لم يعد اسمه محمد، ولا أحمد، ولا سيادة المدير، ولا سعادة المسؤول، أصبح اسمه واحدًا في كل مكان، عبد المأمور، تلك الشخصية العجيبة التي تظهر كلما ضاقت الدنيا بالمواطن، وكلما قرر أن يسأل عن حقه، أو يفهم سبب قرار أنهك حياته، أو يبحث عن تفسير لرسوم لم تكن موجودة بالأمس، فلا يجد إلا هذا الوجه المختبئ خلف عبارة واحدة، أنا عبد المأمور، حتى خُيل إلينا أن هذا المأمور يحكم دولة بأكملها، بينما لا يعرف أحد اسمه، ولا موقعه، ولا من يحاسبه، الجميع ينسب إليه القرارات، والجميع يتبرأ من نتائجها، ويبقى المواطن وحده يحمل الفاتورة.

تُرفع الأسعار، وتُلغى خدمات، وتُفرض رسوم جديدة، وتُنتزع امتيازات كانت تُعد من أبسط حقوق الناس، فإذا سألت لماذا، جاءك الرد جاهزًا قبل أن تُكمل سؤالك، عبد المأمور، وكأن القرار نزل من السماء، لا صاحب له، ولا مسؤول عنه، ولا من يملك حتى شجاعة الدفاع عنه، فأصبح الخطأ بلا أب، والقرار بلا توقيع، والضرر بلا متسبب، بينما المواطن يدور في حلقة مفرغة، ينتقل من مكتب إلى آخر، ومن موظف إلى آخر، ليكتشف في النهاية أن الجميع يحمل الاسم نفسه.

تُجبر أسرة على إدخال أبنائها مدرسة خاصة، ليس ترفًا ولا استعراضًا، بل لأن المدارس الحكومية لم تجد لهم مكانًا، أو لأن ظروف عودتهم من الخارج جعلت أبواب التعليم الحكومي موصدة في وجوههم، فيدفعون من قوت يومهم حتى لا يضيع مستقبل أبنائهم، ثم يفاجأون بأن هذا الاختيار الإجباري أصبح سببًا لحرمانهم من خدمات أو مزايا، وكأنهم ارتكبوا جرمًا لأنهم حاولوا تعليم أولادهم، وتسأل عن المنطق، فلا تجد إلا العبارة المعتادة، أنا عبد المأمور.

والمغترب الذي ترك وطنه بحثًا عن لقمة عيش كريمة، لا يشغل سريرًا في مستشفى حكومي، ولا مقعدًا في مدرسة حكومية، ولا يثقل كاهل الخدمات العامة، بل يرسل مدخراته وأموال غربته إلى أهله ووطنه، فإذا عاد أو احتاج خدمة، عومل أحيانًا وكأنه خارج دائرة الاستحقاق، فقط لأنه يعمل خارج البلاد، وكأن الغربة امتياز لا ثمن له، لا سنوات من البعد، ولا تعب، ولا وحدة، ولا شقاء، وإذا سأل عن السبب، قيل له ببساطة، أنا عبد المأمور.

حتى الأوراق التي كانت تُستخرج يومًا بلا مقابل، أصبحت تحتاج إلى رسوم، وشهادات النجاح التي كانت حقًا طبيعيًا أصبحت في بعض الحالات تُدفع لها الأموال، خاصة في السفارات، ولا أحد يشرح لماذا تغير الأمر، ولا أحد يوضح الأساس الذي بُني عليه القرار، فقط ادفع ثم انصرف، وإذا اعترضت، أو طلبت تفسيرًا، اصطدمت بالجدار نفسه، عبد المأمور.

وفي دهاليز المحاكم والمصالح الحكومية، تضيع سنوات من أعمار الناس بين التأجيل والتسويف، قد تكون خيانة الأمانة واضحة، أو نزاع الإرث لا يحتمل كل هذا الانتظار، أو معاملة لا تحتاج إلا توقيعًا واحدًا، لكنها تظل حبيسة الأدراج، تتنقل بين المكاتب، وتغرق في الروتين، بينما التصريحات تُقال بلا مرجعية واضحة، والوعود تُطلق بلا موعد لتنفيذها، وكلما سألت أين المسؤول، خرج إليك الصوت ذاته، أنا عبد المأمور.

العجيب أن هذه العبارة لا تظهر أبدًا عندما يتعلق الأمر بالمناصب، أو النفوذ، أو الظهور أمام الكاميرات، لكنها تصبح الحصن المنيع عندما يحين وقت تحمل المسؤولية، فجأة لا أحد يقرر، ولا أحد يخطئ، ولا أحد يراجع نفسه، ولا أحد يعتذر، الجميع منفذون، والجميع أبرياء، والجميع عبيد لذلك المأمور الذي يبدو أنه يملك كل السلطات، بينما لا يملك أحد عنوانه.

لسنا ضد القانون، ولسنا ضد النظام، لكننا ضد أن يتحول القانون إلى شماعة، وأن تتحول اللوائح إلى وسيلة للهروب من المسؤولية، وأن يصبح الموظف آلة تردد عبارة واحدة دون أن يفكر في أثر القرار على الناس، فالدول لا تُدار بالنصوص وحدها، وإنما تُدار أيضًا بالعدل، وبالرحمة، وبالشجاعة التي تجعل المسؤول يقول، نعم هذا قراري وأنا مسؤول عنه، فإن كان القرار صحيحًا دافعت عنه، وإن كان خاطئًا صححته، أما أن يتحول الوطن كله إلى مسرح كبير، بطله الوحيد عبد المأمور، فهذه ليست إدارة، بل هروب جماعي من المسؤولية.

ويبقى السؤال الذي يبحث عنه ملايين المواطنين كل يوم، ولا يجدون له جوابًا، إذا كان الجميع عبيدًا للمأمور… فمن هو المأمور؟ ومن الذي يحاسبه؟

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *