كتب | سعيد السُبكي
تكشف التطورات الأخيرة في العلاقات عبر الأطلسي عن تحوّل بنيوي عميق يتجاوز كونه أزمة عابرة أو خلافًا ظرفيًا بين حلفاء تقليديين. فقد لخّص رئيس الوزراء الكندي كارني هذا التحول بعبارة لافتة حين قال: «إذا لم نكن على الطاولة فنحن على قائمة الطعام»، في إشارة مباشرة إلى منطق القوة الذي بات يحكم التفاعلات الدولية، حتى بين الشركاء التاريخيين.
في المقابل، حاول الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روتّه، اعتماد نبرة تصالحية، واصفًا ما يجري بأنه «نقاشات بين الحلفاء»، بينما سعى قادة أوروبيون آخرون إلى التقليل من توصيف ما يحدث بوصفه «قطيعة». غير أن هذا التباين في الخطاب يعكس في جوهره ارتباكًا أوروبيًا حقيقيًا إزاء مستقبل التحالف الغربي.
الناتو تحت الاختبار الوجودي
رغم تراجع التوتر مؤقتًا عقب تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم اللجوء إلى القوة العسكرية لضم غرينلاند، فإن الضرر المعنوي والسياسي كان قد وقع بالفعل. فمصداقية حلف الناتو تعرضت لهزة غير مسبوقة، ووجد الحلف نفسه – لأول مرة منذ تأسيسه – أمام تساؤلات جدية حول استمراريته ووظيفته.
تصريح ترامب بأن «الولايات المتحدة لن تدافع عن ما لا تملكه» لا يمس فقط روح التحالف، بل يضرب جوهر المادة الخامسة التي تقوم على مبدأ الدفاع الجماعي. كما أن مجرد التهديد يتعارض مع المادة الأولى من ميثاق الحلف، التي تحظر التهديد بين أعضائه، ما جعل سيادة غرينلاند نفسها موضع مساومة سياسية لمدة أسبوعين.
تآكل اليقين الاستراتيجي
ما شهده هذا الأسبوع عبّر بوضوح عن طبيعة العلاقات الأطلسية الجديدة: ضمانات استمرت سبعين عامًا يمكن التخلي عنها خلال يوم واحد، ثم استعادتها جزئيًا دون أي وضوح حول استمراريتها. هذا النمط المتقلب يخلق حالة دائمة من عدم اليقين، ويحوّل كل أزمة إلى اختبار وجودي للحلف.
أوروبا بين خيارين: الترميم أم الاستقلال
داخل الاتحاد الأوروبي، لا يوجد توافق واضح حول المسار الواجب اتباعه. فهل الأولوية هي ترميم الناتو والحفاظ عليه، أم الشروع في بناء بنية أمنية أوروبية موازية وأكثر استقلالًا؟ هذا الانقسام يفسّر التردد بين مواجهة استفزازات ترامب أو تجاهلها، في ظل الاعتماد الأوروبي العميق على القوة العسكرية الأميركية ونفوذ واشنطن التجاري.
في المقابل، يذهب تيار أوروبي متنامٍ إلى أن العلاقة مع الولايات المتحدة قد تضررت بنيويًا، وأن على أوروبا الاستعداد لعالم تحكمه قاعدة «القوة للأقوى»، لا قواعد القانون الدولي الليبرالي.
ترامب: من الاستثناء إلى القاعدة
تاريخيًا، ترفض أوروبا هذا النمط من السياسات لما خلّفه من دمار وانقسام في القارة. غير أن رفع شعار السيادة لا يعني القدرة الفورية على تحقيقها. ورغم ذلك، يبدو أن هذا المسار بات حتميًا، خصوصًا أن ترامب في مرحلته الحالية أكثر فاعلية وتأثيرًا من ولايته الأولى، والمسار الذي رسمه يصعب على أي خليفة التراجع عنه سريعًا.
الخطر، كما يحذر بعض المراقبين، لا يكمن في ترامب كشخص فقط، بل في استبداله البُنى المؤسسية بسياسة شخصية، ما يهدد بفراغ وفوضى مستقبلية. وقد تشكّل بالفعل حوله شبكة واسعة تطوّر أفكاره وتعيد تشكيل التحالفات، بما يعني أن العلاقات عبر الأطلسي ستستمر، ولكن بهوية مختلفة جذريًا.
تراجع النظام الليبرالي وتهميش الأمم المتحدة
تقديم ترامب لما يسمى «مجلس السلام» في دافوس يشكّل مثالًا صارخًا على هذا التحول، ويمثل عمليًا تهميشًا قاسيًا للأمم المتحدة. ورغم رفض أو تجاهل عدد من الدول لهذه المبادرة، فإن خطورتها تكمن في أن الولايات المتحدة طرف أساسي فيها، ما يمنحها ثقلًا فعليًا.
في ظل شلل الأمم المتحدة بسبب حق النقض للأعضاء الدائمين، وعجزها عن التعامل مع أزمات كبرى مثل أوكرانيا وغزة وفنزويلا، ومع تقليص واشنطن لتمويلها، بات بقاء المنظمة نفسها موضع تساؤل حقيقي.
لغة القوة كخيار أوروبي
أمام هذا الواقع، يبرز خيار «لغة القوة» كبديل اضطراري. فالاتحاد الأوروبي مطالب بتوظيف قوته الاقتصادية، والإبقاء على «بازوكا التجارة» حاضرة، والمضي قدمًا في اتفاقات استراتيجية مثل ميركوسور، مع تجاوز بطء البيروقراطية.
الرسالة التي خرجت من القمة الأوروبية الأخيرة تشير إلى إدراك متزايد بأن القوة لا تُواجه إلا بقوة مضادة، وهو تحوّل لافت في العقلية الأوروبية.
نحو مجلس أمني أوروبي
في هذا السياق، تبرز أهمية التحرك مع شركاء موثوقين مثل كندا والنرويج وبريطانيا، وتأسيس مجلس أمني خاص يعزز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، مستفيدًا من المظلة النووية البريطانية.
ورغم الانتقادات التقليدية لبطء القرار الأوروبي، فإن التجارب أثبتت أن الأزمات الكبرى – كما في حالة أوكرانيا – قادرة على تسريع آليات القرار.
غير أن الخطر الحقيقي يكمن في الركون إلى الهدوء المؤقت، إذ لم تعد أزمة غرينلاند مجرد «عاصفة في فنجان»، بل مؤشرًا على تحول أعمق في بنية الأمن الغربي.
