بقلم د. ليندا سليم
يُروى: “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان”، وهي حكمة بقيت صالحة لكل زمان، فليس كل ما نشعر به يجب أن نعلنه، وليس كل حلم يولد يحتاج إلى التصفيق قبل أن يكتمل، فالكتمان ليس ضعفًا، بل حكمة، وليس خوفًا، بل احترامٌ لقيمة الإنجاز، وتركٌ للمفاجأة حتى تأتي في موعدها، لأن أجمل الانتصارات هي تلك التي تتحدث عن نفسها دون ضجيج.
وربما لهذا بدت لي خسارة مصر الأخيرة أكبر من مجرد نتيجة مباراة، لأنها أعادت إلى ذهني سؤالًا قديمًا، هل أصبحنا نعري مشاعرنا قبل الأوان؟ وهل صرنا نستهلك فرحتنا في الكلمات قبل أن تتحول إلى حقيقة؟
بعد كل خسارة كبيرة، لا نكتفي بتحليل المباراة، بل نبدأ في تشريح أنفسنا، نبحث عن المتهم، عن التصريح، عن اللقطة، عن الجملة التي ربما كانت بداية السقوط.
البعض رأى أن تصريحات حسام حسن كانت سببًا، وآخرون اعتبروها مجرد ثقة بالنفس، لكن السؤال الحقيقي ليس عن شخص، فالمباريات لا تُختزل في تصريح، ولا تُحسم بكلمة، وإنما السؤال عن ثقافة أصبحت تتكرر في تفاصيل حياتنا.
هل اعتدنا الاحتفال قبل الوصول؟
في كرة القدم، وفي الدراسة، وفي العمل، وحتى في أحلامنا، نعلن الانتصار قبل أن يتحقق، الطالب يحتفل بعد كل مادة وكأنه أنهى العام، والموظف يحتفل بوعد الترقية قبل صدور القرار، وصاحب المشروع يتحدث عن نجاحه قبل أن يرى النور، وكأننا نستعجل الفرح خوفًا من أن يفوتنا.
ليست المشكلة في الفرح، فالفرح رزق، وإنما في توقيته، حين يتحول من نتيجة إلى توقع، ومن ثم إلى عبء نفسي، فإذا جاءت النتيجة على غير ما تمنينا، كانت الصدمة أكبر، لأننا خسرنا مرتين، مرة في الواقع، ومرة في خيال صنعناه بأيدينا.
هناك شعوب لا تبخل بالفرحة، لكنها تؤجلها حتى تعبر خط النهاية، تؤمن بأن العمل يتحدث أولًا، وأن النتائج هي التي تستحق الاحتفال، أما الضجيج فلا يصنع بطولة، والتصريحات لا تسجل أهدافًا.
ولا أقول إن تصريحات حسام حسن هي سبب الخسارة، فالمباريات تُحسم داخل الملعب بعوامل فنية وبدنية وتكتيكية كثيرة، لكن الكلمات تصنع مناخًا، وترفع سقف التوقعات، وتزيد من قسوة الإحباط عندما تأتي الحقيقة مختلفة.
ربما نحتاج أن نتعلم فضيلة الإنجاز الصامت، وأن نكف عن تعرية مشاعرنا أمام العالم، فلا كل حلم يُحكى، ولا كل أمنية تُعلن، ولا كل ثقة تحتاج إلى تصريح.
فلعل أجمل ما يمكن أن نهديه لأنفسنا هو عنصر المفاجأة، أن ندع الإنجاز يتكلم عنا، وأن نجعل الواقع يسبق الكلمات، لا العكس.
فالانتصارات الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج يسبقها، ولا إلى احتفال يمهد لها، إنها تأتي في هدوء، ثم تفرض نفسها على الجميع.
ولعل أكبر درس تمنحه لنا الهزائم ليس أن نتوقف عن الحلم، بل أن نتعلم كيف نحمي أحلامنا بالكتمان، وكيف نؤجل التصفيق حتى تنتهي المباراة، لأن الفرح الذي يأتي في موعده يدوم، أما الفرح الذي يولد قبل أوانه، فكثيرًا ما ينتهي إلى حسرة… ويبقى في الذاكرة مجرد فرحة ناقصة، ووعدٍ لم يكتمل.
