بقلم د.ليندا سليم
شبعت من هذه الفانية حدَّ التُّخمة، لم تعد البراندات تدهشني، ولا التكنولوجيا تسحرني، ولا الألقاب تُغريني، ولا حتى ذلك التنافس المحموم على امتلاك المزيد، كلما ارتقيت درجة في نظر الناس، شعرت أنني أقترب خطوة من حقيقة هشاشة كل شيء، حتى ترتيب المائدة، تناسق الحذاء مع الحقيبة، الساعة التي تليق بالمعطف، وتلك التفاصيل التي كانت تستنزف أعمارًا من البشر، لم تعد تشغلني كما كانت، أما الخصلات الفضية التي تسللت إلى رأسي، فلم أرها يومًا علامة ذبول، بل رأيتها نورًا يذكرني أن العمر لا يُقاس بما نملك، بل بما فهمناه ونحن نعبره.
ولست أدري، أهذا زهد، أم تعب، أم أن الروح بعد طول الركض أدركت أن الطريق الذي كانت تسير فيه لم يكن طريقها أصلًا، فلا أنا غاضبة من الدنيا، ولا أنا حزينة عليها، إنما أصبحت أنظر إليها بعين من عرف أنها محطة، وليست وطنًا.
ومنذ أن خفت ضجيج الخارج، بدأ صوت الداخل يعلو، وكأنني للمرة الأولى لا أستمع إلى الناس، بل أستمع إلى نفسي.
أجلس وحدي، فلا أشعر بالوحدة، بل أشعر أنني في موعد مع ذاتي، وكأنني أستحضرها من أعماقٍ بعيدة، لا كما يستحضر الساحر جنَّه، بل كما يستحضر الإنسان روحه التي غابت عنه طويلًا بين زحام الأيام، فتأتي إليّ هادئة، لا تتكلم بصوت، وإنما بإحساس، تفتح أمامي أبوابًا من الفهم لم أطرقها من قبل، وتجيب عن أسئلة لم أكن أعرف أنني أحملها أصلًا.
في تلك اللحظات أشعر أنني لا أفكر، بل أتلقى، لا أكتب، بل أُنصت، وكأن النفس إذا صفا ماؤها، انعكس عليها نور الفطرة، فأصبحت ترى ما كانت تحجبه طبقات الضجيج والانشغال.
أدركت أن كثيرًا مما نظنه إلهامًا مفاجئًا، ليس إلا معرفة كانت ساكنة في أعماقنا، تنتظر لحظة صدق لتخرج، وأن الإنسان يحمل داخله عالَمًا كاملًا، لكنه يظل مجهولًا ما دام منشغلًا بالعالم الخارجي.
لهذا لم أعد أخاف من الصمت، بل أخاف من الضوضاء التي تمنعني من سماع نفسي، ولم أعد أبحث عن الأماكن المبهرة، لأن أجمل الرحلات كانت تلك التي قطعتها إلى الداخل، حيث لا تصفيق، ولا منافسة، ولا أقنعة، فقط حقيقة الإنسان كما خلقه الله.
ربما لهذا لم تعد الدنيا تبهرني، ليس لأنني أكرهها، بل لأنني رأيتها على حقيقتها، ورأيت في المقابل شيئًا أعظم، رأيت أن أغنى الناس ليس من امتلأت يداه، بل من هدأ قلبه، وأن أثمن ما قد يصل إليه الإنسان، ليس أن يعرف العالم، بل أن يعرف نفسه، فإذا عرفها، عرف حدوده، وعرف ضعفه، وعرف ربه، وعندها فقط يصبح الزهد ليس رفضًا للحياة، بل تحررًا من سلطانها.
