بقلم د.ليندا سليم
كثيرًا ما يختلط على الناس الفرق بين التكيف والتلون، فيُتهم بعض الأشخاص بالنفاق أو بتبديل وجوههم بحسب المواقف، بينما يكون ما يفعلونه في الحقيقة نوعًا طبيعيًا من التكيف الاجتماعي والنفسي.
فالتكيف مهارة إنسانية ضرورية للحياة، تعني أن يعرف الإنسان كيف يتعامل مع اختلاف الأشخاص والبيئات والظروف دون أن يتخلى عن مبادئه الأساسية،فالإنسان قد يتحدث مع طفل بطريقة، ومع أستاذه بطريقة أخرى، ومع أصدقائه بأسلوب يختلف عن أسلوبه في العمل، وكذلك جيرانه بإختلافات ثقافتهم ومرجعيتهم، ومع ذلك يظل هو الشخص نفسه بقيمه وأخلاقه وقناعاته، هذا ليس نفاقًا، بل مرونة اجتماعية تساعده على بناء علاقات صحية والتعامل بذكاء مع تنوع الحياة.
أما التلون فهو أمر مختلف تمامًا،فالمتلون لا يغير أسلوبه فقط، بل يغير مواقفه وقيمه ومبادئه وفقًا لمصلحته،يوافق الجميع ولو كانوا متناقضين، ويقول لكل طرف ما يريد سماعه، ويبدل قناعاته بحسب المكان والقوة والنفوذ والمكاسب المتوقعة، ولذلك يرتبط التلون غالبًا بالانتهازية أكثر من ارتباطه بالمرونة.
الفرق الجوهري بين الاثنين أن المتكيف يحافظ على جوهره ويغير طريقته، بينما المتلون يغير جوهره نفسه،و المتكيف قد يختار الصمت أحيانًا والحوار أحيانًا أخرى وفقًا للموقف، لكنه لا يساوم على قيمه، أما المتلون فقد يدافع عن الفكرة اليوم ثم ينقلب عليها غدًا إذا تغيرت مصلحته.
والمفارقة أن بعض الناس يطالبون الآخرين بأن يتصرفوا بالطريقة نفسها في كل الظروف، وكأن النضج يعني الجمود،بينما الحقيقة أن الإنسان السوي يتعلم مع الزمن كيف يختار كلماته، وكيف يضبط انفعالاته، وكيف يخاطب كل شخص بما يناسبه دون أن يفقد هويته أو يتخلى عن قناعاته.
فالإنسان الناضج لا يقاس بمدى تشابه تصرفاته في كل المواقف، بل بقدرته على الحفاظ على جوهره مهما اختلفت الظروف، قد تتغير اللغة، وقد تتبدل الوسائل، لكن القيم الحقيقية تبقى ثابتة لا تتلون ولذلك كان الفرق كبيرًا بين التكيف الذي يعكس الحكمة، والتلون الذي يعكس المصلحة.
ولعل خير ما يختصر هذا المعنى قول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فالحكمة تقتضي اختلاف الأسلوب، لكنها لا تعني أبدًا اختلاف المبدأ، كما ذمّ الله تعالى حالة التذبذب وفقدان الثبات بقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هُؤُلَاءِ﴾.
فالثبات على المبادئ لا يعني الجمود، كما أن المرونة لا تعني النفاق، وبينهما مساحة واسعة اسمها الحكمة،ومن يدرك هذه المساحة يدرك أن التكيف قوة، أما التلون فضعف متنكر في ثوب الذكاء.
