القائمة

بئر طويل: الأرض المنسية التي قد تَصنع أزمة دولية صامتة

غرفة الأخبار 9 أشهر مضت 0 4.5 ألف

في عمق الصحراء الواقعة بين مصر والسودان، تمتد مساحة قاحلة تُدعى “بئر طويل” — أرض بلا بشر، ولا حكم، ولا علم … أو هكذا يُفترض. لكن في عام 2014، اقتحم المشهد رجل أمريكي يُدعى “جيريميا هيتون” وأعلن من طرف واحد قيام “مملكة شمال السودان” على هذه الأرض، ليتوّج ابنته “أميرةً”، رافعًا علمًا صُنع خصيصًا لهذا الغرض. فعلٌ سطحي قد يبدو فكاهيًا أو ساذجًا للوهلة الأولى، لكنه يطرح أسئلة عميقة عن هشاشة الجغرافيا السياسية، وسيناريوهات استغلال الفراغ القانوني في منطقة شديدة الحساسية على الحدود المصرية-السودانية.
أرض بلا مالك… أم بلا مناعة؟
بئر طويل، تلك الرقعة الصغيرة الممتدة على نحو 2,060 كيلومترًا مربعًا، لا تطالب بها مصر ولا السودان رسميًا، بسبب تعقيدات تاريخية تعود إلى بداية القرن العشرين حين تداخلت حدود عام 1899 السياسية مع ترسيم إداري لاحق عام 1902. مصر تتمسك بخط العرض 22 كحد جنوبي لها — ما يضع بئر طويل خارج أراضيها — بينما السودان يستند إلى التقسيم الإداري الذي يجعل “مثلث حلايب” ضمن أراضيه، ويتجاهل بئر طويل بالمقابل… هكذا وُلدت منطقة “Terra Nullius” أو “الأرض التي لا يطالب بها أحد” — وضعٌ نادر جدًا في القانون الدولي الحديث. لكن هل ترك الفراغ يعني غياب الخطر؟ أم أنه، كما تُعلمنا تجارب التاريخ، دعوة مفتوحة للتدخل تحت شعارات خادعة؟
الحكاية الأمريكية: من الحلم العائلي إلى الطموح الرمزي… ادّعى “هيتون” أن رحلته إلى بئر طويل كانت لتحقيق حلم ابنته الصغيرة بأن تصبح “أميرة حقيقية”. لكن القصة سرعان ما تجاوزت الدافع العائلي، لتصبح “مشروع دولة” ذات علم، ودستور، وصفحة تمويل جماعي على الإنترنت، ودعوة لمستثمرين لإنشاء مشروعات زراعية مستقبلية على هذه الأرض الصحراوية العارية من كل مقومات الحياة… ومع أن الحكومة الأمريكية لم تعترف بهذه “الدولة”، ولم تصدر موقفًا رسميًا يؤيد أو يدين، فإن هذا الصمت يُبقي الباب مواربًا أمام احتمالات استثمار سياسي أو جغرافي مستقبلي، خاصة في عالم تتبدل فيه قواعد النفوذ وتشتد فيه المنافسة على الموارد والمواضع الاستراتيجية…
من العبث إلى التهديد: هل يمكن أن يُعاد استخدام “بئر طويل” كورقة ضغط؟
الحديث هنا لا يدور عن قاعدة عسكرية أمريكية على المدى القريب، فبئر طويل لا تملك أدنى مقومات التمركز اللوجستي. لكنها قد تُستخدم كورقة رمزية في صراعات السيادة، أو كحالة تشكك في جدية تعامل مصر والسودان مع حدودهما، وهو أمر يثير شهية الفاعلين من خارج الإقليم، خاصة في ظل الحديث المتزايد عن المعادن النادرة والذهب في المناطق الحدودية… وفي ظل التوترات الإقليمية بين دول القرن الإفريقي، وسباق النفوذ بين القوى العالمية في البحر الأحمر، فإن أي تحرك رمزي في نقاط جغرافية رخوة — ولو من خلال “مواطن مغامر” — لا يجب أن يُستهان به.
الغياب الرسمي العربي… وصمتٌ مصري-سوداني غير مبرر… ما يُثير الاستغراب هو الغياب الكامل لأي موقف رسمي واضح من الحكومتين المصرية أو السودانية إزاء هذه الواقعة. ورغم أن بئر طويل ليست موضع نزاع، فإن تركها كأرض سائبة يفتح المجال لسلوكيات تفتقر للشرعية، لكنها قد تتحول إلى سوابق قانونية رمزية تُستغل لاحقًا… كما غاب رد الفعل العربي، رغم خطورة تكرار مثل هذا النموذج في مناطق حدودية أخرى، خاصة في دول شمال إفريقيا والساحل.
هل آن الأوان لتغيير المعادلة؟
الواقع أن كلا البلدين يُدرك أن المطالبة ببئر طويل تُضعف موقفه في حلايب. لكن الفراغ القانوني والسيادي لم يعد خيارًا آمنًا، في ظل عالم يُعيد ترتيب خرائط النفوذ من خلال القوة الناعمة، والتقنيات الرمزية، والمغامرات الفردية التي تجد صدى عالميًا في منصات الإعلام الرقمي.
وقد يكون الحل الممكن في توقيع بروتوكول سيادي مشترك بين مصر والسودان حول الوضع القانوني للمنطقة، يمنع أي جهة ثالثة — رسمية أو فردية — من التسلل إلى هذه البقعة الرمزية والخطيرة في آنٍ معًا.

قد تبدو بئر طويل أرضًا بلا ماء ولا ذهب ولا سكان، لكن في ميزان السيادة الوطنية، الفراغ أضعف من التهديد ذاته. ورفع علم على رمالها من قبل مواطن أمريكي مغامر، وإن بدا عبثيًا، فإنه يُسلّط الضوء على فجوة في السياسات العربية تجاه حماية الحدود “الهامشية”. فالأرض لا تُحمى بالخرائط فقط، بل بالمواقف… والوعي… والقرار… ومع ذلك، ظهور مثل هذه التحركات الرمزية من مواطنين أمريكيين قد يُستثمر لاحقًا في سياقات جيوسياسية جديدة، خاصة في ظل النزاع حول موارد الذهب والمعادن النادرة في الحدود بين مصر والسودان.
———
magy-news@hotmail.com

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *