القائمة

انزياح الرؤية وبناء الوعي السردي في رواية «حمارة خالتي»، دراسة نقدية بقلم : الأديب الفلسطيني هشام محمد الجدبة

غرفة الأخبار 3 أسابيع مضت 0 9.7 ألف

.تُطل علينا الساحة الأدبية برواية متميزة للروائية المصرية فايزة شرف الدين، صادرة عن القاهرة عام 2025 تحت عنوان «حمارة خالتي»، لتقدم تجربة سردية استثنائية تُعيد تشكيل العلاقة التقليدية بين السارد والمسرود له.

وفي قراءة نقدية متأنية لهذا العمل، يتبدى لنا كيف ينبني النص على فلسفة الرمز وتجلياته في الفضاء الروائي؛ فالرمز في الفن الروائي ليس مجرد قناع يرتديه الكاتب ليتخفى وراءه، بل هو جسر معرفي يربط بين المحسوس والمجرد، ويمنح التفاصيل اليومية البسيطة أبعاداً كونية وتاريخية.تكمن أهمية الرمز في الرواية الحديثة في قدرته على تجاوز المباشرة والتقريرية، وحماية العمل الأدبي من السقوط في فخ الخطابة السياسية أو الوعظ الإرشادي.

كما يُتيح النص الرمزي للمتلقي مساحة حرة للمشاركة في إنتاج المعنى، فلا يظل قارئاً مستهلكاً بل يصبح شريكاً تأويلياً، ويمنح الكاتبة فرصة لتفكيك بنيات القهر والسلطة والاحتلال عبر مقاربات غير متوقعة، تجعل من الهامشي والمنسي مركزاً للحدث. وفي هذه الرواية، يتجلى الرمز بأبهى صوره عبر اختيار “الأتان” (أنثى الحمار) لتكون الحامل الرمزي لقضايا الهوية، الأرض، والسيادة.لقد اختارت الروائية أن تُسند السرد إلى الأتان نفسها «دليلة»، لتحدث انزياحاً مركزياً في الرؤية السردية المهيمنة منذ الصفحات الأولى؛ فلم يعد الإنسان هو الذات الواعية الوحيدة التي تراقب وتحكم على الطبيعة والحيوان وتكتب عنه، بل تحول الحيوان هنا إلى عين راصدة تروي الإنسان، وتُقيّم سلوكه، وتحاكمه بمعاييرها الخاصة، مما يقلب المقولات السائدة عن الحيوان وعن الآخر المهمش، ويمنحه صوتاً ووعياً وذاكرة.

وينبني هذا السرد كله على ضمير المتكلم الذي يحقق وظيفتين أساسيتين؛ الأولى هي وظيفة الكشف والتعرية، إذ نرى العالم الإنساني من عين خارجية فنكتشف تناقضاته وزيفه، فالبشر الذين يتهمونها بالغباء والمهانة هم أنفسهم من يتصارعون بضراوة لامتلاكها والسيطرة عليها، والثانية هي وظيفة التعاطف الوجداني، حيث ينتقل القارئ من موقع المتفرج المستعلي على الحيوان إلى موقع المشارك في معاناة هذا الكائن المهمش والمنتهك.ويتجلى هذا الوعي الأخلاقي والمراجعة الذاتية التي لا تُنسب عادة إلى الحيوان بوضوح في قول الساردة:«أدركت خطئي بعيداً عن صاحبي ناجي، وتفهمت أني كنت أنانية»كما تؤكد دليلة رفضها للصورة النمطية السائدة عنها بقولها:«رغم أني حمار كما يطلقون علي ويظنون بي ظلماً وعدواناً أني أملك قدراً كبيراً من الغباء، لكني لاحظت..»لتتحول بذلك إلى مرآة معكوسة يرى القارئ من خلالها المجتمع الإنساني بكل تناقضاته وقسوته وحنينه، كاشفة أن الغباء ليس فيمن يحمل الأثقال بصبر، بل فيمن يظن واهماً أنه يملك حق تقرير مصير الآخرين.وينسحب هذا التشكيل السردي البارع على جدلية الزمان والمكان في الرواية؛ فالزمن لا يتحرك وفق خط رتيب، بل يتأسس على تداخل ديناميكي بين الاسترجاع المرتبط بالذاكرة، واللحظة الحاضرة المرتبطة بالأزمة.

تبدأ الساردة بالعودة الحالمة إلى أحضان موطنها في الجبل اللبناني هرباً من الغرباء الخبثاء خلف السياج الحديدي الفاصل، مستعيدة ذكرياتها الحميمة مع كنان ونازك وناجي، وروائح الجبل الشذية وخبز العشب اللذيذ. لكن سرعان ما ينفجر هذا الزمن وينتقل من سياقه الفردي الدافئ إلى زمن سياسي متوتر ومتفجر عندما يعلن المنادي أن الأتان تحمل في أحشائها جحشاً من “أب صهيوني” تطالب به قوات الاحتلال. وهنا يتكثف الصراع الرمزي، ويتحول مصير كائن بسيط إلى قضية قرية ووطن بأكمله، وتبلغ الحبكة ذروتها في مشهد المواجهة الحاسم حين تقاطر الجيران من الضيعة ووقفوا كحائط صد منيع يدافع عن الحق.

أما المكان في الرواية، فلا يؤدي دور الخلفية المحايدة أو الديكور الجاف، بل ينهض كعنصر فاعل في تشكيل الحدث والدلالة؛ فالجبل اللبناني وقراه يمثلان دفء الوطن، الحرية، والانتماء، بينما يرمز السياج الحديدي والقوات القادمة من الخارج إلى أدوات القهر، العزل، والهيمنة. وتبرع الكاتبة في رسم هذا الفضاء بلغة شاعرية تجعل الطبيعة شريكة في تشكيل هوية الساردة وليست مجرد إطار للأحداث. وداخل هذا الفضاء الفاعل، تتحرك شخوص الرواية بأدوار مرسومة بدقة لتخدم الفكرة الرمزية المركزية؛ فناجي يجسد قيم الفداء والمقاومة الفطرية وصمودها الميداني، بينما يمثل كنان صلابة الأهل والدفاع المستميت عن الأرض رافضاً الخضوع لإملاءات القوة، وتجسد نازك عمق الرعاية والحنان الأنثوي الذي يرى في دليلة جزءاً لا يتجزأ من البيت والذاكرة العائلية والكرامة والوجود.

وتكمن القوة الفنية الكبرى للنص في قدرته الفريدة على تصغير القضية الكبرى داخل حدث بسيط؛ فالصراع المصيري على الأرض والهوية والسيادة يتجسد كله في الصراع على أتان وجنين في بطنها. وبهذه التقنية الذكية، تتجاوز الرواية المباشرة السياسية الفجة لتقدمها عبر تفاصيل الحياة اليومية الحميمية والسخرية الهادئة، مُستعينة بلغة سردية تمثل مزيجاً مرناً بين مستويين تعبيريين: الشعرية الرعوية التي تتبدى في وصف الطبيعة الجبلية الخلابة كجعل الشمس غادة ترتدي حلة أرجوانية تشع وشعر الفتاة سلاسل من الذهب، والواقعية الوصفية الدقيقة التي تتبع التفاصيل الحيوية والفسيولوجية للأتان كقضم الثمرات الساقطة والاستظلال تحت شجر السيال، وصولاً إلى مشهد الولادة الطبي الدقيق عندما يعلن الطبيب أن لون شفاه الوليد تحول إلى الوردي الفاتح ومؤشر تنفسه طبيعي. هذا التناغم اللغوي يمنح الرواية حيوية ومصداقية فنية تحمي الرمز من الانزلاق إلى التجريد الذهني الجاف.

وينطبق هذا التوظيف التكتيكي والذكي أيضاً على اقتصاديات الحوار في الرواية؛ فعلى الرغم من هيمنة المونولوج الداخلي للأتان، إلا أن الكاتبة وظفت الحوار باقتصاد شديد ليكون كطلقات الرصاص في اللحظات الحرجة لكسر الصمت وتفجير الصراع. ويتجلى الحوار أولاً لتجسيد المواجهة مع الآخر وكشف الصراع، حين يقف كنان باحتقان في وجه الغرباء قائلاً: «الأتان ملكنا ولن تأخذها أي قوة منا»، ليتسع الحوار إلى هتاف جماعي يعلن فيه الأهالي: «لن تأخذوا حمارة خالتي»، وصرخة نازك المدافعة: «هذه الحمارة ملكي والجحش الذي تحمله في أحشائها لن أفرط فيه»، انتهاءً بهتاف النصر: «الحمارة حمارتنا ورجعت إلينا».

كما جاء الحوار ليكشف تعنت القوة والمنطق البيروقراطي المنحاز كما في تهديد رئيس البلدية: «إنكم بموقفكم المتعنت يا سيد كنان، وبتعنيدكم ورفضكم لتسليم الأتان.. يجب سحب الأتان وتسليمها لقوات الطوارئ الدولية»، فضلاً عن كشفه لعمق العلاقات الإنسانية المؤثرة حين يعود ناجي مخبراً الخالة بموت الحمارة شجاعة في ساحة القتال لتفديه بنفسها، فترد الخالة بحنان: «فداك نفسي يا قلبي».

نجحت فايزة شرف الدين في تقديم نموذج سردي مميز يكتب التاريخ “من الأسفل” ومن زاوية المهمش، وبناء عالم متماسك جعل من الحيوان مركزاً للوعي؛ فلم تعد الحمارة دابة صامتة، بل غدت شاهدة، ومؤرخة، ومقاومة، تحقق انزياحاً سردياً عميقاً يجعل القارئ يرى الإنسان من خلال الحيوان، ويرى التاريخ من عين من افترض الجميع أنه بلا تاريخ. وتختتم الرواية رحلتها السردية الشائقة لتترك القارئ أمام سؤال الإنسان والوجود والحرية والكرامة، مؤكدة عبر أدوات السرد الحديثة والرمز المكثف أن الحياة قادرة على الاستمرار رغم الحصار والمصادرة، وأن الهامش يملك صوتاً يستحق أن يُسمع، وأن التاريخ لا يرويه المُنتصرون وحدهم، بل يرويه أيضاً أولئك الذين حملوا أثقال الحياة بصمت وظلوا أوفياء للأرض والذاكرة.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *