القائمة

الهوية بين المطرقة والسندان|قراءة في سوسيولوجيا سحب الجنسية

Linda Seleem 7 أيام مضت 0 5.5 ألف

بقلم| د.ليندا سليم

تثير قرارات سحب الجنسية في الكويت، خاصة ممن اكتسبوها قبل عقود طويلة، جدلاً عميقاً يتجاوز أروقة القانون ليلامس جوهر “الهوية” ومعايير “الإنسانية”، نحن أمام مشهد معقد؛ طرفاه واقع اجتماعي يئن من تصرفات فئة وُصفت بالتعجرف والإساءة لعلاقات الكويت الخارجية، وطرف آخر يتمثل في مأساة إنسانية لأفراد لا يعرفون وطناً غير هذه الأرض.

السلوك لا يحدد العرق|
من الناحية السوسيولوجية، غالباً ما يُشار إلى أن “الأصل” في الهوية يمنح صاحبه نوعاً من الهدوء النفسي والاستقرار، بينما قد يندفع “المكتسب” للهوية أحياناً نحو المبالغة في إثبات الذات، وهو ما قد يفسر حالة “التعجرف” أو التورط في أزمات سياسية وإنسانية مع دول الجوار و هذا السلوك، وإن كان مستهجناً ويضر بصورة الدولة، إلا أنه يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل “سوء الخلق” أو “الخطأ السياسي” مبرر قانوني كافٍ لاقتلاع إنسان من جذوره؟
البعد الإنساني: إلى أين الرحيل؟
إن سحب الجنسية بعد “نصف قرن” من التعايش ليس مجرد إجراء إداري، بل هو حكم بـ “النفي المعنوي والمدني”.
فقدان الوجهه: الإنسان الذي قضى خمسين عاماً في “الديرة”، غدت ملامحه وتفاصيله كويتية بامتياز، فإلى أين يذهب؟ وأي أرض ستقبله وقد انقطعت صلاته بموطنه الأصلي؟
هذا الإجراء لا يطال الفرد وحده، بل يمتد لأسرته وأبنائه الذين نشأوا وهم يؤمنون بأن هذا العلم هو عالمهم الوحيد، مما يخلق فجوات اجتماعية يصعب ردمها مستقبلاً.
العقاب أم التفكيك؟
لا شك أن الحفاظ على الهوية الوطنية “خط أحمر”، وأن من يتسبب في هز استقرار الدولة أو الإساءة لعلاقاتها الأشقاء يستحق المحاسبة، لكن المحاسبة الحقيقية يجب أن تكون تحت سقف القانون الجنائي (السجن، الغرامة، المنع من الوظائف العامة) دون اللجوء لخيار “التشريد” الذي يجعل من الإنسان “بلا وطن”.
إن القوة الحقيقية للدول تكمن في قدرتها على احتواء أخطاء أبنائها (سواء بالأصل أو الاكتساب) وتقويمهم، لا في التخلص منهم عند أول عثرة، فالعدل “هين لين” كما أراده الخالق، وتصعيب الحياة على الناس بعد استقرارها أمر ترفضه الضمائر الحية.

قد نختلف مع تصرفات البعض، وقد نرى في “كبرهم” خروجاً عن شيم أهل الكويت الأصليين، ولكن يبقى السؤال الأخلاقي قائماً: هل نعالج الخطأ بخطيئة إنسانية أكبر؟
إن استقرار “الديرة” يُبنى بالعدل الذي يزاوج بين الحزم في تطبيق القانون وبين الرحمة التي تمنع تحويل البشر إلى “تائهين” في عالم لا يعترف إلا بالأوراق الرسمية.
فالهوية ليست مجرد ورقة تُسحب، بل هي حياة عُشت، وذكريات دُفنت، وانتماء لا يمكن محوه بجرة قلم.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *