القائمة

المسرح مستمر والوجوه تُستبدل

Linda Seleem أسبوعين مضت 0 5.5 ألف

د.ليندا سليم تكتب

حين يتراجع اسمٌ صاخب مثل دونالد ترامب لفترة، يتنفس كثيرون الصعداء، كأن ضجيج العالم انخفض فجأة، يُخيَّل للبعض أن مرحلة انتهت، وأن السياسة تستعيد “رشدها”، لكن هذه القراءة مريحة أكثر مما هي صحيحة.

ما يسقط في الحقيقة ليس إلا الأسلوب أما الجوهر فيبقى كما هو.

المنظومة التي تُدير المشهد لا تراهن على شخص، بل على وظيفة،وظيفة تُؤدى بإتقان، سواء بصوتٍ عالٍ يثير الجدل، أو بنبرة هادئة تُمرّر السياسات بسلاسة. الفارق شكلي، أما المسار فثابت: مصالح تُحمى، نفوذ يُعاد ترتيبه، وأزمات تُدار بما يخدم الاتجاه نفسه.

حين يصبح “الصخب” مكلفًا، يُستبدل بـ“العقلانية” وحين تُستنزف ورقة، تُستبدل بأخرى،هذه ليست عشوائية هذه إدارة.

الأخطر أن كثيرين يقعون في الفخ نفسه كل مرة: شخصنة المشهد. يُختزل كل شيء في وجهٍ واحد، فيُصبح سقوطه انتصارًا وهميًا، وعودته أو استبداله صدمة متكررة،بينما الحقيقة أن اللعبة لم تتوقف أصلًا.

من يراقب بعمق سيلاحظ أن التحولات الكبرى نادرًا ما تأتي من تغيير الأسماء، بل من تغيير القواعد. لكن القواعد هنا مصممة لتبدو ثابتة رغم تبدّل الواجهات، كي يستمر الإحساس الزائف بأن كل مرحلة “جديدة”.

حتى الأزمات التي تبدو فجائية، تُدار بإيقاع محسوب: تُصعَّد لتُبرر قرارات، وتُهدأ لتُمرر أخرى. تُستخدم كأدوات لإعادة توزيع الأدوار، لا كأحداث خارجة عن السيطرة.

والسؤال الحقيقي ليس: من سيأتي بعد هذا الوجه؟
بل: لماذا نظن أن القادم سيكسر القاعدة؟

الرهان الخاسر دائمًا هو انتظار “المنقذ” أو الاحتفال بسقوط “الخصم”، لأن الاثنين او بمعنى أصدق جميعهم جزء من نفس المسرح أما الرهان الحقيقي، فهو الوعي: أن ترى النمط، لا الشخص،و أن تفهم البنية، لا الخطاب، أن تدرك أن الثبات ليس في الأسماء، بل في المصالح التي تُعيد إنتاج نفسها بلا توقف.

الاستمرار في دور المتلقي المندهش لا يغير شيئًا وحده الفهم يغيّر زاوية الرؤية ومن يغيّر زاوية الرؤية، لا يُخدع بسهولة بتبديل الأقنعة.

المسرح مستمر فهل سنستمر التصفيق أم  أن الأوان لنقرأ النص؟

وكما طرحنا إشكالية علينا ايضا ان نأتيكم بمخرجا منها؛

إن الخروج من هذا المسرح لا يكون بالصراخ في وجه ممثل، ولا بانتظار بطل جديد يغيّر النص، بل بإعادة تعريف موقعنا نحن من المشهد، فالبداية الحقيقية هي كسر عادة التلقي السهل و التحقق من الخطاب بدل استهلاكه، وقراءة ما وراء التصريحات لا الاكتفاء بعناوينها و الوعي هنا ليس ترفًا فكريًا، بل أداة مقاومة ناعمة وأن نميّز بين تغيير الوجوه واستمرار السياسات، وأن نربط الأحداث بسياقها لا بلحظتها.

ثم يأتي دور الفعل الهادئ لكنه مؤثر: دعم المعرفة المستقلة، تقوية المساحات الإعلامية التي تطرح أسئلة بدل أن تبيع إجابات جاهزة، وبناء وعي جمعي يرفض الشخصنة ويُصر على فهم البنية، لأن المنظومات التي تراهن على الذاكرة القصيرة تُهزم حين نطيل ذاكرتنا، وتفقد تأثيرها حين نرفض لعب الدور المكتوب لنا.

ليست المعركة في إسقاط وجه بل في تعطيل النمط،وليست القوة في الانفعال، بل في الفهم الذي يغيّر قواعد التلقي.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *