د.ماجدة محمود … تكتب
“متتكلمش على وجعك إنه الوجع اللي مفيش زيه… اللي جرب يدفن ولاده هو بس اللي يتكلم، ومع ذلك مبيتكلموش لأنهم وصلوا لمرحلة الكلام مع الله أريح من كل البشر.”
كلمات قرأتها على صفحة صديقتي وأختي وحبيبتي صاحبة الروح الملائكية والقلب النقي الكاتبة الصحفية الدكتورة ليندا سليم، تلك الإنسانة التي تكتب بإحساس نادر يشبه الدعاء، وتلامس القلوب بكلمات صادقة خارجة من عمق الروح، وكأن الله منحها قدرة خاصة على الوصول إلى الأماكن الموجوعة داخل البشر دون استئذان.
توقفت أمام كلماتها طويلًا، لم يكن منشورًا عابرًا على مواقع التواصل، بل كان بابًا فتح دفعة واحدة كل الأوجاع التي حاولت سنوات أن أخفيها خلف ملامح القوة والثبات. وجدت الدموع تنهمر من عيني بلا مقاومة على فقيد قلبي وابن عمري وقطعة روحي، ابني الذي أنجبته وأنا في الثامنة عشرة، فكبر معي لا كابن فقط، بل كأخ وصديق ورفيق عمر وونس أيام وسند روح.
كان يشبه قلبي أكثر مما يشبهني، وكانت ضحكته قادرة على أن تنتشلني من أقسى اللحظات، حتى جاء ذلك اليوم الذي خطفه فيه الموت فجأة، وكأن الحياة قررت أن تنتزع أجمل ما فيها من داخلي دفعة واحدة. ومنذ رحيله وأنا أحاول أن أعيش بنصف روح، أحاول أن أبدو قوية أمام الجميع، أردد دائمًا أنه ذهب إلى دار الخلود، وأنه في مكان أفضل، وأن اللقاء بالله لا بد آتٍ مهما طال الغياب، لكن الحقيقة التي لا يعرفها أحد أن الأم التي تفقد ابنها لا تعود كما كانت أبدًا.
هناك أوجاع لا تُروى، لأن الكلام أمامها يصبح ضعيفًا وعاجزًا، ووجع فقد الابن واحد من تلك الأوجاع التي لا تشبه شيئًا على الأرض. وحدهم الذين حملوا أبناءهم إلى مثواهم الأخير يعرفون معنى أن يمشي الإنسان حيًا بينما قلبه مدفون تحت التراب. وحدهم من يعرفون كيف يتحول الحنين إلى وجع يومي، وكيف تصبح الذكريات سكينًا ناعمًا يمر على القلب كل ليلة دون رحمة.
وأنا التي يظن الجميع أنها لا تنكسر، كنت كلما اختليت بنفسي أجد الدموع الطريق الوحيد للكلام، وأجد أنين القلب أوفى صديق لهذا الفقد الثقيل. فالقوة أحيانًا ليست إلا ستارًا نخفي خلفه انهيارًا كاملًا لا يراه أحد. تمر الأيام والناس تظن أننا تجاوزنا، بينما الحقيقة أن الفقد لا يرحل، بل يتعلم فقط كيف يسكن أعماقنا في صمت.
كلمات ليندا أعادت تحريك هذا الوجع النائم داخلي، وأيقظت سؤالًا موجعًا لا يغادر قلب كل أم مكلومة: كيف يستمر العالم طبيعيًا بعد رحيل من كان العالم كله؟ وكيف تشرق الشمس كعادتها بينما هناك قلب أم انطفأ إلى الأبد؟
وربما لهذا السبب يصل بعض البشر بعد أقسى الابتلاءات إلى مرحلة يصبح فيها الكلام مع الله أرحم وأصدق من الكلام مع البشر، لأن الله وحده يعلم حجم الكسر الذي نحمله في صدورنا، وحده يرى دموع الليل التي نخفيها، ويسمع الدعوات المرتعشة التي نرددها سرًا شوقًا وحنينًا واحتياجًا لطمأنينة لا يمنحها إلا هو.
ورغم كل هذا الوجع يبقى الرضا هو النجاة الوحيدة، ويبقى الإيمان بأن أبناءنا لم يرحلوا عبثًا بل سبقونا إلى رحمة الله، هو الشيء الوحيد القادر على إبقاء أرواحنا واقفة وسط هذا الحزن الطويل.
سيظل الغياب موجعًا، وسيظل الحنين يسكن القلب إلى آخر العمر، لكن عزاءنا الحقيقي أن الأرواح التي أحببناها بصدق لا تموت، بل تبقى داخلنا، وأن هناك لقاءً مؤجلًا عند الله لا فراق بعده أبدًا.
magy-news@hotmail.com
