كتب | سعيد السُبكي
في خطوة أثارت صدمة العالم، وجّه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب اتهامات حادة لرئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، متهماً إياه بانتهاكات غير محددة ومعيبة، لتبرير خطوة اختطافه ونقله إلى السجن تمهيداً لمحاكمته. هذه الواقعة ليست مجرد حادثة فردية، بل مثال حي على البراعة الغربية في تحويل خصومها السياسيين إلى أعداء أخلاقيين، ومنح نفسها الغطاء القانوني والإعلامي لتبرير إجراءات تعتبر دولياً تعدياً صارخاً على سيادة دولة مستقلة.
فقد أتقن الغرب، عبر تاريخه الحديث، فناً بالغ التأثير يمكن وصفه بـ«براعة إلصاق التهم بالآخرين». ليست المسألة مجرد دعاية سياسية عابرة، بل منظومة متكاملة تُدار بعناية، تبدأ من صياغة المفاهيم وتنتهي بتشكيل وعي عالمي يتبنى الرواية الغربية بوصفها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
فعندما تُرتكب الانتهاكات، نادراً ما تُسمّى بأسمائها. الاحتلال يصبح «تدخلاً إنسانياً»، والنهب الاقتصادي يُعاد تقديمه تحت مسمى «تحرير الأسواق»، والحروب تُغلف بخطاب «نشر الديمقراطية».
وفي المقابل، يُدفع بالآخر – غالباً من خارج الفضاء الغربي – إلى موقع المتهم الجاهز: هو العنيف، غير المتحضر، المهدِّد للنظام العالمي.
تكمن براعة هذا النهج في قدرته على قلب الأدوار. الضحية تتحول إلى متهم، والمتهم إلى قاضٍ. ويتم ذلك عبر أدوات متعددة: مراكز أبحاث، تقارير حقوقية انتقائية، إعلام عابر للحدود، وأحياناً مؤسسات دولية يُفترض بها الحياد لكنها تعمل وفق ميزان قوة غير متكافئ.
النتيجة ليست فقط تشويه صورة الآخر، بل منحه شعوراً دائماً بالدفاع عن النفس، بدلاً من مساءلة الجهة التي تمارس الفعل.
الأخطر أن هذا الأسلوب لا يكتفي بتبرئة الذات، بل يمنحها تفوقاً أخلاقياً زائفاً. فالغرب لا يظهر كطرف في صراع مصالح، بل كحارس للقيم، ومن يختلف معه يصبح تلقائياً خارج دائرة «الأخلاق العالمية».
وهنا يتحول الاتهام إلى أداة هيمنة ناعمة، تُمهّد لتدخلات سياسية واقتصادية وربما عسكرية، تحظى مسبقاً بغطاء أخلاقي وإعلامي. غير أن هذا البناء، مهما بدا متماسكاً، ليس محصناً من التآكل.
فمع تصاعد الوعي العالمي، وظهور منصات إعلام بديلة، بدأت الأسئلة المحرجة تُطرح: من يضع المعايير؟ ومن يملك حق الاتهام؟ ولماذا تُغضّ الطرف عن انتهاكات واضحة إذا كان مرتكبها حليفاً غربياً؟ إن براعة الغرب في إلصاق التهم ليست دليلاً على قوة أخلاقية، بقدر ما هي انعكاس لهيمنة سردية طال أمدها.
ومع كل سردية مهيمنة، يأتي زمن تُختبر فيه، وتُعاد مساءلتها، وربما تُفكك، حين يقرر الآخرون أخيراً رواية قصتهم بأصواتهم لا بلسان غيرهم.
