د. علي الدكروري يكتب
في عالم يشهد تغيرات متسارعة في موازين الاقتصاد والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية، لم تعد أهمية المدن تُقاس فقط بعدد سكانها أو حجم عمرانها، بل بقدرتها على التحول إلى مراكز اقتصادية مؤثرة تربط بين الأسواق والدول والقارات.
ومن هذا المنطلق، تبدو مدينة العلمين الجديدة واحدة من أكثر المشروعات المصرية التي تستحق المتابعة من منظور اقتصادي واستراتيجي يتجاوز حدود مصر إلى فضاء البحر المتوسط بأكمله.
فعلى مدار السنوات الأخيرة، شهد العالم تحولات كبرى فرضتها الأزمات الدولية المتعاقبة، بداية من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، ووصولًا إلى التوترات الجيوسياسية التي أثرت على حركة التجارة والطاقة والاستثمار حول العالم.
هذه التحولات دفعت العديد من الدول إلى إعادة التفكير في مواقعها الاقتصادية، وأعادت رسم خرائط التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي هذا السياق، تبرز مصر باعتبارها واحدة من الدول التي تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا يربط بين إفريقيا وآسيا وأوروبا، ويمنحها فرصة حقيقية لتعزيز دورها كمركز اقتصادي ولوجستي إقليمي.
ومن بين المشروعات التي تعكس هذه الرؤية، تأتي مدينة العلمين الجديدة.
فالعلمين الجديدة ليست مجرد مدينة ساحلية أو مشروع عقاري ضخم، بل مشروع استراتيجي يحمل أبعادًا اقتصادية وسكانية وتنموية تتجاوز المفهوم التقليدي للمدن الجديدة.
العلمين الجديدة ليست مشروعًا عقاريًا، بل مشروع لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية والسكانية لمصر على البحر المتوسط.
إن موقع المدينة على الساحل الشمالي لمصر يمنحها ميزة تنافسية مهمة، فهي تقع على واحد من أهم الممرات البحرية والتجارية في العالم، وعلى مقربة من الأسواق الأوروبية، ما يجعلها مؤهلة للعب دور اقتصادي متزايد خلال السنوات المقبلة.
وعندما ننظر إلى تجارب المدن العالمية الناجحة، نجد أن الموقع وحده لم يكن كافيًا، بل كانت الرؤية والاستمرارية والاستثمار في البنية التحتية هي العوامل الحاسمة في نجاح تلك المدن.
ولهذا فإن ما يلفت الانتباه في تجربة العلمين الجديدة ليس فقط حجم الإنشاءات أو المشروعات العقارية، بل حجم الاستثمارات التي تم توجيهها نحو الطرق والمرافق والمطارات والخدمات الذكية والمناطق التعليمية والسياحية والصحية.
هذه العناصر مجتمعة تعكس رغبة واضحة في بناء مدينة قادرة على العمل والإنتاج وجذب الاستثمارات على مدار العام، وليس فقط خلال الموسم السياحي.
ومن وجهة نظري، فإن أحد أهم التحديات التي تواجه الاقتصادات الحديثة يتمثل في خلق مراكز نمو جديدة خارج المناطق التقليدية المكتظة بالسكان والأنشطة الاقتصادية.
وهنا تبرز أهمية العلمين الجديدة كجزء من رؤية أوسع تستهدف إعادة توزيع التنمية وخلق فرص جديدة للاستثمار والعمل والإقامة.
كما أن المدينة تمتلك فرصًا واعدة في قطاعات متعددة تشمل السياحة الدولية، والخدمات اللوجستية، والتعليم، والرعاية الصحية، والتكنولوجيا، والخدمات المالية، وهي قطاعات تمثل محركات النمو الرئيسية في اقتصادات المستقبل.
وعلى الجانب الأوروبي، فإن المستثمرين والشركات يبحثون باستمرار عن أسواق مستقرة تمتلك بنية تحتية حديثة وموقعًا استراتيجيًا وقدرة على الوصول إلى أسواق متعددة.
ومع استمرار تطوير العلمين الجديدة، يمكن أن تصبح المدينة منصة مهمة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين مصر وأوروبا، خاصة في مجالات الاستثمار والسياحة والخدمات والتكنولوجيا والطاقة.
ولعل ما يزيد من أهمية هذه الرؤية أن الدولة المصرية لا تنظر إلى العلمين باعتبارها مشروعًا محليًا فقط، بل باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لتعظيم الاستفادة من موقع مصر على البحر المتوسط، وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للتجارة والاستثمار والطاقة والخدمات.
إن الحديث عن العلمين الجديدة لا ينبغي أن يقتصر على الأبراج والشواطئ والمشروعات العقارية، بل يجب أن يمتد إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه المدينة في دعم الاقتصاد المصري وتعزيز مكانة مصر على خريطة الاقتصاد الإقليمي والدولي.
فالدول الناجحة لا تبني المدن من أجل الحاضر فقط، بل تبنيها لتكون أدوات لصناعة المستقبل.
وربما لهذا السبب أرى أن السؤال الحقيقي ليس: ماذا تم بناؤه في العلمين الجديدة؟
بل: ماذا يمكن أن تصبح عليه العلمين الجديدة بعد عشرين عامًا؟
والإجابة في تقديري قد تجعلها واحدة من أهم المدن الاقتصادية الجديدة على البحر المتوسط، وأحد النماذج التي تؤكد أن الاستثمار في المستقبل يبدأ دائمًا برؤية واضحة وإرادة قادرة على تحويل الأفكار إلى واقع.
خلاصة الدكروري:
المدن العظيمة لا تُبنى بالحجر فقط… بل برؤية ترى المستقبل قبل أن يراه الآخرون.
