د. علي الدكروري يكتب|
لفترة طويلة، بدا العالم وكأنه يتحرك نحو نموذج اقتصادي مفتوح، تتراجع فيه الحدود أمام التجارة، وتصبح العولمة هي القاعدة الحاكمة للاقتصاد الدولي.
لكن ما يحدث اليوم يشير بوضوح إلى أن العالم بدأ يدخل مرحلة مختلفة تمامًا.
مرحلة لم تعد تُقاس فيها القوة بحجم الاقتصاد فقط، بل بالقدرة على بناء التحالفات، وتأمين المصالح، وحماية سلاسل الإمداد والطاقة والتكنولوجيا.
الأزمات المتلاحقة، من التوترات الجيوسياسية إلى اضطرابات التجارة والطاقة، دفعت الدول الكبرى إلى إعادة التفكير في مفهوم “الاعتماد المتبادل”، الذي كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره أحد ركائز الاستقرار العالمي.
واليوم، لم يعد السؤال:
كيف ننفتح أكثر على العالم؟
بل: مع من نتعاون… وكيف نحمي مصالحنا؟
وفي هذا السياق، نشهد صعود ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد التحالفات”، حيث تتحرك الدول داخل تكتلات اقتصادية واستراتيجية، تسعى من خلالها إلى تعزيز نفوذها وتقليل تعرضها للمخاطر.
الاتحاد الأوروبي يحاول تعزيز استقلاله الاقتصادي والطاقة والتكنولوجيا، بينما تعمل الولايات المتحدة على إعادة ترتيب تحالفاتها الاقتصادية وسلاسل التوريد، في حين تواصل الصين توسيع نفوذها التجاري والاستثماري عبر مناطق مختلفة من العالم.
كما تبرز تجمعات مثل بريكس كمحاولة لبناء توازنات اقتصادية جديدة، تعكس رغبة عدد من الدول في تنويع مراكز النفوذ داخل النظام العالمي.
لكن اللافت أن هذا التحول لا يعني نهاية العولمة، بل إعادة تشكيلها وفق منطق جديد، تصبح فيه المصالح الاستراتيجية أكثر تأثيرًا من فكرة السوق المفتوح بالشكل التقليدي.
فالتجارة اليوم لم تعد منفصلة عن السياسة، والطاقة لم تعد مجرد سلعة، والتكنولوجيا لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت جميعها أدوات نفوذ وتأثير.
وفي ظل هذا المشهد، تواجه الدول متوسطة الحجم تحديًا حقيقيًا:
كيف تحافظ على مصالحها دون أن تتحول إلى طرف تابع داخل صراعات الكبار؟
وهنا، تظهر أهمية الموقع الجغرافي، والمرونة السياسية، والقدرة على بناء شراكات متنوعة.
وفي هذا الإطار، تمتلك مصر فرصة مهمة، بفضل موقعها الاستراتيجي، وحجم سوقها، وقدرتها على الربط بين مناطق متعددة، وهو ما يمنحها مساحة للتحرك داخل عالم يعاد تشكيله اقتصاديًا وسياسيًا.
في النهاية، يبدو أن العالم لا يتجه نحو الانغلاق الكامل، ولا نحو العولمة المفتوحة كما عرفناها، بل نحو نظام أكثر تعقيدًا، تُدار فيه المصالح عبر التحالفات، وتُقاس فيه القوة بقدرة الدول على التموضع الذكي داخل هذه التكتلات.
خلاصة الدكروري:
في العالم الجديد… القوة لا يصنعها الحجم فقط، بل القدرة على اختيار التحالف الصحيح.
