القائمة

الصمت الحميمي |حين يصبح الخجل فجوة لا تُرى

Linda Seleem 4 أسابيع مضت 0 5.5 ألف

|د.ليندا سليم تكتب

أخطر ما يحدث في العلاقات لا يُرى، لا يبدأ بانطفاء مفاجئ ولا بقرار واضح، بل بلحظة صغيرة جدًا يختار فيها أحد الطرفين أن يصمت بدل أن يشرح، أن يتجاهل بدل أن يسأل، أن يتحمل بدل أن يواجه، ومن هنا يبدأ كل شيء، فالصمت في العلاقات الحميمية ليس حيادًا كما يبدو، بل هو قرار غير معلن بالانسحاب، انسحاب ناعم لا يجرح في ظاهره، لكنه يترك أثرًا عميقًا يتراكم بصمت.

العلاقة بين الزوجين لا تقوم فقط على الرغبة، بل على توازن دقيق بين الجسد والنفس والتواصل، وحين يختل أحد هذه العناصر لا ينهار البناء فورًا، لكنه يفقد تماسكه تدريجيًا، فيبدأ الجسد في إرسال إشارات مختلفة، توتر، قلق، تراجع في الاستجابة، أو حتى نفور غير مفهوم، بينما يحاول العقل تفسير ما يحدث بشكل سريع، وغالبًا خاطئ، فيُحمّل الطرف الآخر المسؤولية بدل أن يلتفت لما يحدث داخليًا.

نفسيًا، الإنسان حين يعجز عن فهم تغيره، لا يعترف به بسهولة، بل يلجأ إلى آليات دفاع خفية، فينكر، أو يُسقط، أو ينسحب، الرجل قد يهرب من مواجهة تراجع قدرته بإعادة صياغة المشكلة،هي لم تعد كما كانت، والمرأة قد تحتمي بالصمت: هو لم يعد يريدني، وفي الحالتين لا تُقال الحقيقة، لأن الحقيقة ثقيلة، وتحتاج شجاعة لا يمتلكها الكثيرون في لحظات الضعف.

إنسانيًا، هنا يظهر السؤال الأصعب: هل نحب بعضنا في حالاتنا المختلفة، أم فقط حين نكون في أفضل صورنا؟ هل نحتمل التغير، أم نفسره كفقدان؟ لأن العلاقة التي لا تحتمل التحول، هي علاقة هشة حتى لو بدت مستقرة.

أما الجسد، الذي يتم تحميله كل شيء، فهو في الحقيقة يتغير بشكل طبيعي مع الوقت، عند الرجل وعند المرأة، وهذه التغيرات ليست خللًا بقدر ما هي انتقال إلى إيقاع مختلف، يحتاج فهمًا أعمق وتوقعات أكثر واقعية، لكن حين تُقاس هذه المرحلة بمعايير قديمة، يتحول الطبيعي إلى أزمة، ويتحول الاختلاف إلى شعور بالفشل، ويبدأ كل طرف في مقارنة غير عادلة بين ما كان وما هو كائن.

وهنا يتدخل العامل الأخطر: الجهل المغلف بالخجل، فلا استشارة، ولا وعي حقيقي، ولا محاولة للفهم، فقط صمت، وتأويلات شخصية، وربما أحكام قاسية، فيتحول ما يمكن استيعابه أو التعامل معه، إلى فجوة نفسية تتسع مع الوقت.

دينيًا، لم تُبنَ العلاقة بين الزوجين على الكمال، بل على المودة والرحمة، على السكن الذي يحتوي الضعف قبل القوة، لكن حين يغيب هذا المعنى، تتحول العلاقة إلى اختبار أداء، فيُقاس القرب بالقدرة، لا بالاحتواء، ويُختزل الاحتياج في صورة واحدة، بينما هو في حقيقته أوسع وأعمق.

ومع الوقت، لا يحدث الانفصال بشكل صريح، بل يتشكل نوع آخر من العلاقات، علاقة قائمة بلا روح، حضور بلا دفء، وزوجان يعيشان معًا، لكن كلٌ منهما في عزلة لا يعترف بها، لأن ما بدأ بصمت يصعب كسره.

الحقيقة التي قد تقلب كل شيء، أن الصمت ليس دائمًا احترامًا، بل قد يكون تخليًا غير مقصود، وأن تجنب الإحراج قد يكون السبب الحقيقي في صناعته، وأن ما نخاف من قوله هو غالبًا ما يحتاجه الطرف الآخر ليسمعه، لأن العلاقات لا تنهار فجأة، بل تُهمل ببطء، حتى يعتاد الطرفان غياب ما كان يومًا بديهيًا.

السؤال ليس ماذا فقدنا، بل لماذا صمتنا حين بدأنا نفقده وهل ما زال لدينا ما يكفي من الشجاعة لنكسر هذا الصمت؟

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *