القائمة

الشماعة الجاهزة|حجة البليد أم تقصير أمني

Linda Seleem شهرين مضت 0 1.6 ألف

د.ليندا سليم تكتب|

في كل أزمة، في كل فوضى، في كل حدث ملتبس، لا يتأخر ظهور “الفاعل المجهول المعروف”ذلك الكيان الرمزي الذي يُستدعى كل مرة، كأن وجوده ضرورة نفسية قبل أن يكون حقيقة واقعية، لم نعد نبحث عن أسباب، بل عن شماعة، ولم نعد نُحلل، بل نُسقط.

قد يكون الاتهام أحيانًا صحيحًا، نعم لكن الكارثة تبدأ حين يتحول الاحتمال إلى قاعدة، وحين يصبح التفسير الجاهز بديلاً عن التفكير، وقتها لا نكتفي بتزييف الوعي، بل نُدمنه، ونُعيد إنتاج نفس الأخطاء ونحن نظن أننا نفهم ما يحدث.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في اسم بعينه، بل في فكرة “الخلايا المغلقة” أيًا كان شكلها أو مسمّاها، تلك التكوينات التي تُربّي أفرادها على السمع قبل الفهم، وعلى الاصطفاف قبل التساؤل، وعلى الولاء قبل الحقيقة، داخل هذه البُنى، لا يحتاج الانقسام إلى عدو خارجي؛ يكفي تضارب مصالح، أو اختلاف تأويل، أو طموح شخصي، لتبدأ الشقوق، ثم تتسع، ثم يتحول الصف الواحد إلى جبهات متناحرة.

الخيانة هنا ليست استثناءً، بل احتمال كامن في طبيعة الفكرة نفسها، لأن أي منظومة تُغلق على ذاتها، وتمنح نفسها قداسة غير قابلة للنقد، تكون قد مهدت لانفجارها من الداخل،وحين يحدث ذلك، لا يخرج أحد بريئًا بالكامل؛ لا المنشق، ولا القائد، ولا حتى التابع الصامت.

ورغم كل ذلك، يظل الخلط الأكبر حين يُنسب هذا الانحراف إلى الدين، فالدين وفي القلب منه الدين الإسلامي، وكذلك كل الشرائع السماوية بريء من كل تطرف أو غلو أو إقصاء، لم تُبنَ الرسالات على التعصب، ولا على احتكار الحقيقة، ولا على إلغاء الآخر، بل على العدل والرحمة والوعي وكل توظيف للدين لخدمة انغلاق أو صراع أو عنف، هو خروج عليه لا امتداد له.

الأخطر من هذا كله أننا كمجتمعات نُسهل اللعبة و نُحب الفكرة السريعة، والاتهام السهل، والرواية التي لا تُتعبنا بأسئلة، فنلجأ إلى شماعة جاهزة، نُعلّق عليها كل شيء، ونتجنب مواجهة الأسباب الحقيقية،كحجة في تقصيرنا الأمني ،فنؤجل الحل، ونُراكم نفس الأزمات بصور مختلفة.

أي خلية مغلقة، أي جماعة منغلقة، أي دائرة تُقصي المختلف وتُقدّس نفسها هي مشروع أزمة مؤجلة وكل مرة نهرب فيها من التفكير إلى الاتهام، نُعمّق الجهل أكثر مما نكشف الحقيقة.

الحقيقة قد تكون مُرهقة لكنها لا تحتاج شماعة.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *