القائمة

السياسة المصرية… فلسفة الردع الصامت وصناعة القوة بلا ضجيج

غرفة الأخبار 3 أسابيع مضت 0 4.1 ألف

ماجدة محمود … تكتب

في لحظة تاريخية تتكثف فيها الصراعات وتتشابك فيها المصالح إلى حد الانفجار، لم يعد معيار القوة مرتبطًا بالصخب أو الاستعراض، بل بقدرة الدولة على إدارة التوتر دون أن تتحول إلى جزء منه. الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد ساحة نزاعات، بل مختبر مفتوح لاختبار صلابة الدول، حيث تسقط الكيانات التي تندفع بلا حساب، وتبقى فقط تلك التي تفهم أن البقاء نفسه هو أعظم انتصار. في قلب هذا المشهد، تبرز السياسة المصرية كنموذج مختلف لا يسعى إلى تسجيل مواقف آنية بقدر ما يعمل على تثبيت معادلة طويلة المدى عنوانها: الدولة أولًا، والدولة دائمًا.

النهج الذي يقوده الرءيس عبد الفتاح السيسي لا يمكن قراءته بمنطق ردود الفعل السريعة أو الحسابات اللحظية، بل هو أقرب إلى فلسفة متكاملة لإدارة القوة. هذه الفلسفة لا تنكر التهديدات، لكنها ترفض التعامل معها بعقلية الاندفاع. فهي تدرك أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس العدو المباشر، بل الاستنزاف البطيء الذي يبدأ بقرار غير محسوب وينتهي بإضعاف شامل لكل عناصر القوة. ومن هنا، يصبح الحفاظ على تماسك الداخل، وتحصين الاقتصاد، وتطوير القدرات العسكرية، ليس مجرد أهداف تنموية، بل خطوط دفاع استراتيجية تعادل في أهميتها أي مواجهة عسكرية مباشرة.

الحديث عن “المقاومة” في هذا السياق يخرج من إطاره التقليدي المرتبط بالصدام، ليدخل في تعريف أكثر عمقًا وتعقيدًا. فالمقاومة هنا ليست فقط أن تواجه، بل أن تمنع لحظة المواجهة من الأساس. أن تبني من القوة ما يجعل خصمك يعيد التفكير ألف مرة قبل أن يختبر حدودك. أن تكون حاضرًا في معادلات الإقليم دون أن تُستدرج إلى معارك تُفرض عليك بشروط الآخرين. هذه ليست حالة حياد، بل سيطرة هادئة على إيقاع المشهد، حيث تختار متى تقترب ومتى تبتعد، دون أن تفقد تأثيرك أو مكانتك.

وفي مقابل الأصوات التي تنجرف نحو المبالغة أو التحريض أو البحث عن أدوار بطولية سريعة، تبدو السياسة المصرية وكأنها تنتمي إلى مدرسة أكثر نضجًا، مدرسة تعرف أن التاريخ لا يُكتب بالاندفاع، بل بالقدرة على الصمود. فالدول التي تهرول نحو المواجهات قد تكسب لحظة، لكنها تخسر المستقبل، بينما الدول التي تُحسن إدارة قوتها تضمن الاستمرار، وهو المكسب الأثمن في عالم لا يرحم الضعفاء ولا ينسى المتهورين.

ما تفعله مصر اليوم ليس انسحابًا من المشهد، بل إعادة تعريف لدورها داخله. فهي لا ترفع صوتها لتُسمع، بل تفرض حضورها من خلال توازن دقيق بين القوة والحكمة. تدرك أن الحفاظ على الدولة ليس خيارًا من بين خيارات، بل هو المعركة الحقيقية التي يجب أن تُكسب مهما كانت الضغوط. ومن هذا المنطلق، يصبح كل قرار محسوب، وكل خطوة موزونة، وكل صمت مدروس، جزءًا من استراتيجية أكبر عنوانها البقاء بقوة لا تُستنزف.

في النهاية، تتجلى الحقيقة الأعمق: ليست كل قوة تُرى، وليست كل معركة تُخاض. هناك نوع آخر من الانتصار لا يُقاس بالضربات، بل بالقدرة على تجنبها دون أن يُفهم ذلك ضعفًا. أن تظل ثابتًا وسط العاصفة، متماسكًا رغم الضغوط، وقادرًا على فرض معادلتك دون صخب… تلك هي أعلى درجات الردع، وأصعب أشكال المقاومة، حيث تتحول الحكمة من مجرد فضيلة إلى سلاح استراتيجي لا يُهزم.

magy-news@hotmail.com

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *