القائمة

الدهاء الماكروني: كيف تحول العرب في عيون باريس من “مربع الأزمة” إلى “حلفاء القمة”؟

Linda Seleem 3 أشهر مضت 0 2.8 ألف

بقلم د.ليندا سليم

في خريف عام 2020، بدت الجسور بين باريس والشرق الأوسط مهدمة تماماً وكأنها دخلت نفقاً مظلماً لا خروج منه اثر تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحادة عقب أزمة الرسوم المسيئة لنبي الله محمد عليه الصلاة والسلام ،حيث فجرت غضباً عارماً قاده الأزهر الشريف وشيخه الطيب، وواجهت فرنسا حملة مقاطعة شعبية واقتصادية واسعة في العالم الإسلامي،في تلك الأيام، كان المشهد يختصر فرنسا في صورة “المهاجم”، ويضع المسلمين والعرب في “مربع الأزمة”.

لكن السياسة مثل الحياة، لا تعرف الجمود؛ والقوة فيها للأذكى، فمن قلب تلك العاصفة، صاغ ماكرون عودة دبلوماسية دافئة ومدروسة، بدأت بلمسات إنسانية لتتحول سريعاً إلى تحالفات جيوسياسية كبرى كسر فيها القواعد الرسمية لصالح أصدقائه الجدد.

من ركام بيروت إلى نسيم الإسكندرية: سحر التواصل الإنساني

أدرك ماكرون مبكراً أن العناد الأيديولوجي يخسر دائماً أمام سحر التواصل الإنساني الذكي، فبعد أشهر قليلة من الأزمة، كان أول زعيم عالمي يطأ أرض مرفأ بيروت المنكوب عقب الانفجار الكارثي، حيث عانق المتضررين في الشوارع وبدأ زيارته من منزل أيقونة الشرق السيدة “فيروز”، ليضمّد جراح السمعة الفرنسية بذكاء مشهدي لافت.

هذا الدهاء الإنساني تكرر بنسخة أحدث حركت مشاعر المصريين؛ فبعد مشاركته الرئيس عبد الفتاح السيسي في افتتاح المقر الجديد لجامعة “سنجور” الفرانكوفونية بالإسكندرية، كسر ماكرون كل الحواجز البروتوكولية الجافة، نزل ليتجول بعفوية وبساطة في شوارع عروس البحر المتوسط، مستنشقاً نسيمها ومتفاعلاً مع أهالي المدينة، ثم نشر فيديو جولته عبر حسابه على منصة (X) مذيلاً إياه بكلمة “شكراً” باللغة العربية،كانت رسالة مبطنة وذكية بمدى تقديره واحترامه للشارع العربي وثقافته.

لقطة قمة السبع: حلفاء وراء الأسوار المغلقة

الدهاء الحقيقي تجسد في قدرة ماكرون على كسر القواعد السياسية الجامدة للقوى العظمى تقديراً لحلفائه العرب، وتحديداً مصر، فرغم أن مصر ليست عضواً في مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى (G7)، استغل ماكرون استضافة فرنسا للقمة ليوجه دعوة خاصة للرئيس السيسي لحضورها كضيف شرف استثنائي، معززاً مكانة القاهرة الدولية ومثبتاً أن العرب باتوا “حلفاء القمة” بالنسبة لباريس،

وفي أروقة تلك القمة، حدثت اللقطة التاريخية الشهيرة التي لفتت أنظار العالم؛ بينما كان ماكرون مستغرقاً في ترحيب حار ودافئ بالرئيس السيسي، استرعى هذا التقارب والتناغم الاستثنائي انتباه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي كان يتابع الموقف من مسافة قريبة وبابتسامة وثقة دعاه الرئيس المصري ليتدخل وينضم إليهما للمصافحة والسلام،فتحول المشهد أمام عدسات العالم من مجرد قمة غربية جافة، إلى دائرة نفوذ ثلاثية قادها “التناغم المصري الفرنسي”، مبرهنةً على أن علاقة باريس بالقاهرة دخلت منطقة النفوذ المقرب.

التوازن في الأزمات: غزة ولبنان نموذجاً

هذا “التحالف الذكي” تُرجم بوضوح في مواقف ماكرون تجاه الحروب الأخيرة بالمنطقة؛ فبينما انجرفت قوى غربية كبرى مثل أمريكا وبريطانيا نحو انحياز مطلق أثار غضب الشعوب، اختار ماكرون بالتنسيق المستمر مع القاهرة والرياض لغة مغايرة تماماً: توازن عاقل يطالب بوقف إطلاق النار وحماية المدنيين في غزة ولبنان، ورفض قاطع للانجرار وراء رغبات تفجير مواجهة شاملة مع إيران وفصائلها.

ما يظنه البعض “تودداً” هو في الحقيقة أقصى درجات البراغماتية والدهاء؛ لقد عرف “ماكرون الأدهى” كيف يغير نظرته، يستمع للشرق الأوسط، ويطرق أبواب العرب من بوابات الإنسانية والمصالح الكبرى ليتحول من رئيس مأزوم عام 2020 إلى الشريك الغربي الأقرب للقاهرة والرياض اليوم،ولعل هذا هو النضج والذكاء السياسي في أبهى صوره.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *