ليندا سليم | تكتب
كيف تعيد وسائل الإعلام تشكيل صورة المنطقة بين الطاقة والجغرافيا السياسية والرموز الثقافية
في كل مرة تتصاعد فيها التوترات في الخليج، تعود الصحافة الأوروبية لتعيد قراءة المنطقة، لا بوصفها جغرافيا بعيدة فحسب، بل بإعتبارها عقدة مركزية في شبكة معقدة من المصالح الدولية والرموز السياسية والاقتصادية،غير أن هذه التغطية لا تقتصر على نقل الأخبار، بل تنخرط أحيانًا دون قصد في عملية أعمق لصناعة المعنى وإعادة تشكيل صورة الخليج في المخيال الأوروبي.
فعند قراءة عدد من الصحف الأوروبية الكبرى مثل The Guardian وFinancial Times وThe Times، يمكن ملاحظة أن الخليج غالبًا ما يظهر داخل ثلاثة أطر رئيسية:
الطاقة، والأمن، والجغرافيا السياسية، ففي التغطيات الإقتصادية، كما في Financial Times، تتحول المنطقة إلى ما يشبه “مؤشرًا عالميًا” للاستقرار الاقتصادي، فمجرد التوتر في مضيق هرمز يُقرأ بوصفه إشارة محتملة لاضطراب أسواق النفط العالمية.،هنا يصبح الخليج علامة اقتصادية قبل أن يكون فضاءً جغرافيًا.
أما في الصحافة ذات الطابع السياسي، مثل The Guardian، فيُقدَّم الخليج غالبًا بوصفه ساحة تتقاطع فيها أزمات العالم، فالأحداث في المنطقة لا تُقرأ بمعزل عن ملفات أخرى مثل الحرب في أوكرانيا أو التوازنات الدولية الكبرى وبهذا المعنى، يتحول الخليج في الخطاب الإعلامي إلى رمز لمسرح أوسع للصراع الجيوسياسي.وفي تغطيات أخرى، خصوصًا في بعض الصحف البريطانية مثل The Times، يبرز البعد الأمني بوضوح أكبر،إذ تتكرر مفردات مثل “الأمن البحري”، و“القواعد العسكرية”، و“حماية طرق التجارة العالمية”، وهي مفردات تمنح المنطقة دلالة عسكرية ضمنية، تجعلها تبدو في المخيال الإعلامي منطقة تتطلب حضورًا استراتيجيًا دائمًا للقوى الدولية.

غير أن القراءة السيميائية لهذا الخطاب تكشف بعدًا آخر أكثر عمقًا،فالكلمات والصور المستخدمة في التغطية من ناقلات النفط إلى الخرائط العسكرية،لا تعمل فقط كأدوات وصف، بل كرموز تُعيد إنتاج صورة محددة عن الخليج: منطقة ثرية بالطاقة، لكنها أيضًا هشة سياسيًا، ومحورية في الوقت نفسه في معادلات الاستقرار العالمي.
ومن زاوية نفسية إعلامية، يمكن القول إن هذه التغطية تعكس أيضًا علاقة أوروبا التاريخية بالمنطقة وهي علاقة تجمع بين الحاجة الاقتصادية خصوصًا في مجال الطاقة وبين القلق الجيوسياسي من أي اضطراب قد يمتد أثره إلى الأسواق والاقتصادات الأوروبية.
ومع ذلك، فإن هذا الإطار الإعلامي الواسع قد يُغفل أحيانًا التعقيد الإجتماعي والثقافي العميق للمنطقة، إذ تختزل كثير من التغطيات الخليج في رمزين رئيسيين: النفط والتوتر السياسي.،وبين هذين الرمزين، تختفي أحيانًا قصص التحولات الاقتصادية الكبرى، والمجتمعات المتغيرة، والتفاعلات الثقافية التي تشكل جزءًا أساسيًا من واقع المنطقة.لهذا فإن قراءة التغطية الأوروبية للخليج لا تكشف فقط كيف ترى أوروبا المنطقة، بل تكشف أيضًا كيف تُبنى الصور الذهنية في الإعلام العالمي، فالإعلام في نهاية المطاف لا يصف العالم فقط، بل يعيد صياغته داخل شبكة من الرموز والمعاني التي تشكل طريقة لفهمنا له.
