القائمة

الجنيه المصري لا يُنقذ بقرارات | بل بمصانع انتاجية

غرفة الأخبار أسبوعين مضت 0 6.3 ألف


في كل مرة يتراجع فيها الجنيه المصري، يتجه النقاش سريعًا إلى أدوات السياسة النقدية: رفع الفائدة، تعويم، قيود على الاستيراد، أو ضخ سيولة دولارية مؤقتة. لكن الحقيقة التي نتجنبها مرارًا هي أن العملة ليست كيانًا مستقلًا يمكن إنقاذه بقرار، بل هي مرآة دقيقة لاقتصادٍ كامل: ماذا ننتج؟ ماذا نصدر؟ وماذا نستورد؟
المشكلة في مصر ليست في “سعر الجنيه” بقدر ما هي في “قيمة ما يقف خلفه”. اقتصاد يميل إلى الاستهلاك أكثر من الإنتاج، ويمنح عوائد أسرع في العقارات والتجارة مقارنة بالصناعة، لا يمكن أن ينتج عملة قوية مهما بلغت مهارة البنك المركزي.
الدرس واضح في تجارب دول مثل كوريا الجنوبية وفيتنام: لم تبدأ هذه الدول بمحاولة تثبيت عملاتها، بل ببناء قاعدة إنتاجية صلبة موجهة للتصدير. العملة هناك لم تقوَ بقرار، بل نتيجة طبيعية لتدفق مستمر من الدولارات عبر الصادرات الصناعية. السؤال الذي يجب أن نطرحه بصدق: هل نحن مستعدون لتبني هذا النموذج، أم ما زلنا نبحث عن حلول سريعة؟
خلق وظائف مستدامة في مصر لا يمر عبر التوسع في المشروعات العقارية أو الخدمات الاستهلاكية، بل عبر إعادة الاعتبار للإنتاج الحقيقي. كل مصنع يُبنى هو ليس مجرد مصدر دخل، بل هو حلقة في سلسلة تمتد من تشغيل العمالة، إلى تقليل الواردات، إلى خلق فائض للتصدير. هذه هي الدائرة التي تُقوّي العملة دون الحاجة إلى تدخلات استثنائية.
لكن الانتقال إلى اقتصاد إنتاجي ليس مجرد قرار سياسي، بل هو تغيير في فلسفة كاملة.

أولًا، يجب كسر جاذبية “الربح السريع” في الأنشطة غير الإنتاجية، لأن رأس المال بطبيعته يهرب إلى المسار الأسهل. طالما بقيت المضاربة في الأراضي أو الاستيراد أكثر ربحية وأقل مخاطرة من الصناعة، فلن يغامر المستثمر بالدخول في التصنيع.


ثانيًا، لا يمكن الحديث عن صناعة تنافسية دون استقرار حقيقي في السياسات. المستثمر لا يخشى المخاطر بقدر ما يخشى الغموض. قرارات مفاجئة، تغيرات في سعر الصرف، أو قواعد غير مستقرة—كلها عوامل تجعل أي خطة طويلة الأجل مغامرة غير محسوبة.


ثالثًا، هناك ضرورة لإعادة تعريف دور الدولة. ليس المطلوب أن تنافس القطاع الخاص، بل أن تمهّد له الطريق: بنية تحتية ذكية، تعليم فني حديث، تمويل موجه للإنتاج، وسياسات واضحة تحفّز التصدير بدلًا من الاستيراد.

الدولة الناجحة ليست التي تبني كل شيء، بل التي تجعل البناء مُمكنًا للآخرين ولا يمكن تجاهل قطاع بالغ.
الأهمية:

التصنيع الزراعي. مصر تمتلك قاعدة زراعية واسعة، لكنها لا تزال تصدر جزءًا كبيرًا من إنتاجها خامًا، لتعود وتستورد مُنتجات مصنّعة بأسعار أعلى. هذه الحلقة المختلة يمكن كسرها بسهولة نسبية مقارنة بقطاعات أخرى، لكنها تحتاج إرادة وسياسات موجهة.


الرهان الحقيقي ليس على مشروع ضخم هنا أو هناك، بل على آلاف المشروعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بسلاسل إنتاج حقيقية. هذه المشروعات هي التي تخلق الكتلة الحرجة من الوظائف، وهي التي تمنح الاقتصاد مرونة وقُدرة على التكيف.


في النهاية، قوة الجنيه ليست هدفًا في حد ذاته، بل نتيجة. وعندما يتحول الاقتصاد من مستورد صافٍ إلى منتج ومصدر، ستتحسن العملة تلقائيًا دون الحاجة إلى تدخل دائم. أما الاستمرار في إدارة الأزمة بالأدوات النقدية وحدها، فهو أشبه بعلاج الأعراض وترك المرض.


السؤال لم يعُد: كيف نرفع قيمة الجنيه؟
بل: كيف نجعل الاقتصاد المصري يُنتج ما يستحق أن يُدفع فيه؟

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *