القائمة
مشهد استجواب متهمة

الجريمة في مصر | الحقيقة والمبالغات

زوايا الأخبار 5 سنوات مضت 0 5.7 ألف

عباس الصهبي – تايم نيوز أوروبا بالعربي | القاهرة:

لا توجد في العالم دولة واحدة تتسم بـ”المثالية”، كما أنه لا توجد دولة تخلو من الجرائم، ومع الزيارات المتكررة لأبناء مصر في المهجر لوطنهم الأم خلال الفترة الأخيرة، يلحظ البعض منهم مدى المبالغة،  في عدد الجرائم المنشورة عبر القنوات الرسمية؛ جرائم اتسمت ملابسات ارتكابها  بـ”الوحشية” ما يثير في الأذهان صور “مُرعبة” لمرتكبيها، وهو ما يثير بدوره تساؤلات من أبناء مصر في المهجر على غرار: “ماذا حدث للمجتمع المصري المعروف المعروف بطيبة أبناءه؟ وما الذي شَيْطَن الناس في مصر مؤخرًا؟

 تبدو مرعبة جداً جرائم القتل، وجنايات هتك العرض، وغيرها من أنواع الجريمة “المتعمدة” المنشور أخبارها في الصحف المصرية، التي لم تعد تخلو منها حاليًا، بل، وأصبح صحفيو الحوادث ومحرروها يتفننون في صياغة محتواها الإخباري، لتبلغ الإثارة مداها، متصورين أن ما يفعلونه وبحد ذاته فيه تحقيق «كسب صحفي» لجرائدهم ومجلاتهم، بل ولهم شخصياً؛ كلما بالغو في وصف الجريمة وتوصيفها جنائياً، حتى من قبل العرض على النيابة، ومن قبل حتى اكتشاف الجناة الحقيقيين وبدء محاكمتهم؛ لتعمل وبسرعة معهم، وفي أحيان كثيرة قبلهم؛ عدسات التصوير عن بعد وقرب، لالتقاط صور لبشاعة ما حدث.

فقراء مرفهون جدًا..

صورة طفل فقير

صورة طفل فقير

لا يختلف أحد مع ما يذكره  خبراء وصحفيو الجريمة وعلماء النفس والتربية، ورجال الدين على شاشات التليفزيون في مصر، عن تزايد الضغوط على أفراد المجتمع المصري في السنوات الأخيرة، وتحديدًا بعد ما أُطلق عليه “ثورة يناير
في 2011، لكن، ألم تتواجد ضغوط من المفترض أنها كانت أشد قبل هذه الأحداث؟ وإلا، فلماذا قامت الثورة الشعبية في وقتها،إذن؟ هذا بالضبط ما يسأله كثيرون زاروا مصر مؤخرًا، وهم وإن كانوا لا يقللون من تزايد حجم الضغوط، وبالذات الاقتصادية منها على المصريين في وقتنا الحالي، إلا أنهم بمقارنة كثير من الضغوط الاقتصادية التي يواجهها المصريون بما واجهوه هم كمغتربين ومهاجرين بالخارج في أمريكا وأوروبا؛ فإن المصريين وعلى حد ما ذكرته إحدى المغتربات في أمريكا، وبالحرف الواحد: “نعم، الأسعار عندكم أصبحت «نار»، لكن، حتى لو كنتم فقراء في مصر، وهو ما من أجله سافرت وأسرتي واغتربنا في أمريكا بحثًا عن الرفاهية في تصورنا؛ فإنكم وبالمقارنة بما يوجد في أمريكا تُعتبرون «فقراء مرفهون جدًا”.

بيئة العمل في الخارج

بيئة العمل في الخارج

وأضافت نفس السيدة المصرية المغتربة في أمريكا، والتي حصلت على الـ«جرين كارت» الأمريكي، بصعوبة بالغة انتظارًا للحصول على الجنسية الأمريكية، لتتمكن من البقاء، ولأطول وقت ممكن؛ مع ابنها وابنتها المتزوجيْن هناك، واللذين سبقاها في الحصول على الجنسية الأمريكية: “نعم، أنتم مرفهون جداً في مصر، فزوج ابنتي، وابنتي، وابني، في أمريكا؛ يكونون من أجل العمل المتواصل، في الشارع؛ من قبل السابعة صباحاً، ليصلوا إلى أعمالهم قبل تمام الثامنة، ولا يعودون للبيت قبل السابعة مساء، إذا لم يكن يوجد في العمل أصلًا ما يؤخرهم، أو إذا كان لا يوجد ما يستدعي منهم الذهاب لشرائه من احتياجات البيت”.

وأكملت السيدة حديثها قائلة: “كل وسائل الرفاهية متوفرة، وأكثر مما يوجد بالطبع في مصر، لكن، كل شيء هنا بـ«الدولار»، والذي لا نشعر أبدًا بأهمية ورفاهية حمله؛ إلا فقط عندما نأتي لزيارة مصر، حيث الدولار قيمته أضعاف مضاعفة من الجنيه المصري، أما في أمريكا فمجرد السعي للحصول عليه – أي الدولار – فأمر مرهق جدًا أمام التزامات باهظة جدًا كإيجار المنزل وفواتير الغاز والكهرباء، والتأمين الصحي، والتأمين الذي يطال أشياء أخرى كثيرة في قائمة طويلة عريضة من اللوازم الضرورية جدًا للحياة العادية غير المرفهة في أمريكا، وكل هذا ولم نتحدث عن الطعام وصناديق المياه المعدنية اللازمة.

 ‏واستطردت، قائلة: “ضغوط إيه التي تتحدثون عنها في مصر”.

هل انخفضت الجريمة؟

مشهد تمثيلي لارتكاب جريمة

مشهد تمثيلي لارتكاب جريمة

وعند مطالعة بيانات وزارة الداخلية المصرية عن أحوال الجريمة، نجدها كلها تشير إلى تغير كمي ونوعي في معدلات ونوعيات الجرائم خلال السنوات الإخيرة، وأن هذا المعدل يميل للانخفاض، بل إن معدل الجريمة في مصر أقل من مثيله في بعص الدول الأوروبية الأكثر تقدمًا اقتصاديًا واجتماعيًا؛ حتى أنه يمثل المعدل «المتوسط» بين دول الشرق الأوسط وأفريقيا.

 ‏وكان مصدر أمني مصري قد كذّب في أبريل الماضي، ماكانت قد أذاعته مصادر إعلامية تنتمي لجماعة الإخوان الإرهابية في مصر، زعمت ارتفاع معدلات الجريمة في مصر بسبب ارتفاع غلاء المعيشة، وأكد أن ما أذاعته الأبواق الإعلامية المنتمية للجماعة الإرهابية، هدفها من وراء بث تلك الشائعات تأليب «الرأي العام» للشعب المصري ضد الحكومة.

وقد أكدت وزارة الداخلية في بيانها الذي أدلى به مصدرها الأمني أن الإحصائيات الأمنية بالوزارة تؤكد انخفاض معدل الجريمة في مصر بنسبة 17٪ في عام 2020 – العام الماضي – عن العام الذي سبقه.

ترتيب مصر في “مؤشر الجريمة الدولي”..

خارطة العالم

خارطة العالم

وكان لا بد من التأكد والبحث عن موقع مصر في ترتيب دول العالم هذا العام، من خلال ما يٕطلق عليه مؤشر الجريمة الدولي، وبالإطلاع على أحدث بيان لـ«مؤشر الجريمة حسب الدولة»، للنصف الأول من العام الحالي 2021، قد أكد أن مصر تحتل المركز «التاسع والخمسين»، بين «137» رصدها المؤشر الدولي، وذلك بمعدل جريمة قدره «46.83»، وتسبقها في ذلك«غانا»، وقبلها «أوكرانيا»، فيما تحل الولايات المتحدة الأمريكية قبلهما في المرتبة الـ«56» في ترتيب تصنيف الدول «المتدرج من الأعلى في معدل الجرائم إلى الأقل»، حيث بلغ مؤشر معدل الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية، أكثر من مصر؛ فكان «47.81»، أما فرنسا، والتي تحتل المركز الرابع والأربعين بهذا التصنيف الدولي لمؤشرات الجريمة في العالم، فبلغ مؤشر الجريمة بها «51.99».

تجدر الإشارة إلى أن مؤشر الجريمة يتم حسابه بقسمة «عدد الجرائم المبلغ عنها» على «عدد السكان» ثم يتم ضرب الناتج في العدد «100,000»، وهو ما يمكن تبسيطه بالمعادلة التالية لهواة الأرقام: مؤشر الجريمة = (عدد الجرائم المبلغ عنها ÷ عدد السكان) × 100000.

‏وطبقًا لهذا المؤشر العالمي المعروف باسم الـ«نيمبو» NEMBO، فإن «فنزويلا» تعتبر الدولة الأولى والمتصدرة للمؤشر، بمعدل جريمة يبلغ 83.76، تليها «بابوا غينيا الجديدة» في المركز الثاني، بمعدل جريمة بلغ 80.79، ثم جنوب أفريقيا في المركز الثالث، بمعدل جرائم قدره 79.89، بينما تحل «البرازيل» في المركز الرابع، أما «سوريا» فتحتل آخر مركز في الدول العشر الأوائل.

ويؤكد الخبراء الذين وضعوا هذا المؤشر الدولي للجريمة، أنه وإن كان الفقر وعدم وجود وظائف للعمل من أهم الأسباب الداعية للجريمة إلا أن تطبيق الشرطة الصارم وتوقيع العقوبات القاسية تميل إلى تقليل معدلات الجريمة، وأنه توجد علاقة بين العمر وجرائم العنف، حيث تتراوح أعمار مرتكبي جرائم العنف بين عمر 20-30 عامًا.

كما أوضح هؤلاء الخبراء الدوليون أن الدول الأقل في معدلات الجريمة، مثل:«سويسرا»، و«الدنمارك»، و«النرويج»، و«اليابان»، و«نيوزيلاندا»؛ لديها تطبيق قانون فعَّال للغاية، كما تعد «اليابان»، و«النرويج»، و«الدانمارك» من أكثر دول العالم تقييدًا لحرية حمل وترخيص اقتناء الأسلحة في العالم، ‏ ‏ يأتي هذا فيما تحتل هولندا المرتبة الـ«116» في التصنيف الدولي، بمؤشر جريمة يبلغ معدله «27.16» فقط.

الصورة الحقيقية في مهب “مبالغات الميديا”..

سائح يلتقط صورة لمسجد الصحابة بشرم الشيخ

سائح يلتقط صورة لمسجد الصحابة بشرم الشيخ

من كل ما سبق، يتضح أن تناول مراكز الأخبار للجرائم في مصر لا يخلو من كثير من المبالغات، ‏ إذ ليست مصر – مثلًا – من الدول «العشر» الأولى، في المعدلات والمؤشرات الدولية للجريمة بين دول العالم، ولا في الدول «العشر» الثانية، ولا حتى في الدول «العشر» الثالثة، ومع ذلك تبدو «مصر» في «الميديا» العالمية، وقد سبقتها في ذلك «الميديا» المحلية، مؤكدة نفس الخبر، وكأن «أم الدنيا» المسالمة والمتسامحة عبر تاريخها الطويل كله؛ دولة عظمى في إرهاب وعنف الجرائم، وهو ما ينبغي التحذير منه كونه ينعكس على صورة مصر العالمية، وهو وإن كان «يُقلق» أبناءها المهاجرين، والعرب وكل المغتربين خارجها، فإنه يعود بالسعادة على أعدائها الذين يسرهم أن يقل عدد الأفواج السياحية التي بدأت تتدفق عليها في الآونة الأخيرة، فضلاً عن إحراج حكومتها في اللقاءات والمنتديات الدولية.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *