كتب | سعيد السُبكي
لا يمكن إنكار الجهد الذي تبذله غالبية الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني المصرية في الدول الأوروبية للحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية لأبناء الجالية. فالمناسبات الوطنية، والاحتفالات الدينية، والأنشطة الاجتماعية والثقافية، تسهم جميعها في تعزيز الروابط بين المصريين في المهجر، وترسيخ انتمائهم لوطنهم الأم، وهي جهود تستحق التقدير والدعم.
لكن، وعلى الرغم من أهمية هذا الدور، يظل هناك جانب لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو التواصل مع المجتمع الأوروبي نفسه. فالكثير من أنشطة الجاليات تُنظم للمصريين، ويتحدث فيها المصريون إلى المصريين، بينما يكاد يغيب الحوار الحقيقي مع المواطنين والمؤسسات ووسائل الإعلام في الدول المضيفة.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فحين يقتصر النشاط على الدائرة الداخلية للجالية، تضيع فرصة ثمينة لتقديم الصورة الحقيقية عن مصر والمصريين، ولتصحيح كثير من المفاهيم الخاطئة التي تتداولها أحيانًا بعض وسائل الإعلام الأوروبية، سواء نتيجة نقص المعلومات أو تبني روايات غير دقيقة، وربما في بعض الحالات نتيجة توجهات مسبقة.
إن بناء صورة إيجابية لأي دولة لا يتحقق عبر البيانات الرسمية وحدها، بل يعتمد أيضًا على ما يعرف بـ”الدبلوماسية الشعبية”، وهي القوة الناعمة التي يمارسها المواطنون وجمعياتهم ومؤسساتهم الثقافية داخل المجتمعات التي يعيشون فيها. فالجالية المصرية تمتلك من الكفاءات والخبرات والنجاحات ما يؤهلها لأن تكون سفيرًا حقيقيًا لمصر في مختلف أنحاء أوروبا.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق الجميع.
تقع أولًا على الجمعيات الأهلية، التي تحتاج إلى الانتقال من تنظيم الأنشطة الداخلية إلى وضع استراتيجيات للتواصل مع المجتمع الأوروبي، من خلال تنظيم ندوات مشتركة، ومعارض ثقافية، وأيام مفتوحة، ومؤتمرات، وحلقات نقاش تستهدف الجمهور المحلي، وتُعرّف بتاريخ مصر وحضارتها وإنجازاتها المعاصرة، فضلًا عن إسهامات المصريين في المجتمعات الأوروبية.
كما تقع المسؤولية على أبناء الجالية من أصحاب الخبرات والكفاءات، ولا سيما الذين يتقنون لغات البلدان التي يقيمون فيها. فهؤلاء يمتلكون القدرة على مخاطبة الإعلام المحلي، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والمؤسسات المدنية، بلغة يفهمها المجتمع الأوروبي، وبأسلوب يحقق التأثير المطلوب.
ولا يمكن إغفال دور البعثات الدبلوماسية المصرية، التي يقع على عاتقها دعم هذا التوجه من خلال تفعيل الحضور الثقافي المصري بصورة أكثر وضوحًا واستمرارية، وتعزيز التعاون مع الجمعيات والمؤسسات المدنية، بما يسهم في بناء جسور حقيقية مع المجتمعات المضيفة. فالدبلوماسية الثقافية ليست نشاطًا هامشيًا، بل أصبحت أحد أهم أدوات تعزيز صورة الدول والدفاع عن مصالحها في العالم.
إن ما تحتاج إليه الجاليات المصرية اليوم ليس مجرد زيادة عدد الفعاليات، وإنما تغيير فلسفة العمل نفسها. فبدلًا من أن تكون الأنشطة موجهة إلى الداخل فقط، ينبغي أن يصبح المجتمع الأوروبي شريكًا فيها، وحاضرًا بين جمهورها، ومتفاعلًا مع رسالتها.
وقد يكون من المفيد التفكير في إنشاء مراكز ثقافية مصرية أهلية في المدن الأوروبية الكبرى، أو تشجيع الجمعيات القائمة على إعداد خطط استراتيجية طويلة المدى تستهدف مخاطبة الرأي العام المحلي، بالتعاون مع الجامعات، والمتاحف، والمكتبات، والبلديات، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني.
إن الوجود المصري في أوروبا لا ينبغي أن يُقاس بعدد أفراد الجالية فقط، بل بمدى تأثيرها وحضورها في المجال العام. فكلما ازداد حضور الصوت المصري في الحياة الثقافية والإعلامية والفكرية، أصبحت الصورة الحقيقية لمصر أكثر وضوحًا، وتراجعت مساحة الصور النمطية والأحكام المسبقة.
لقد آن الأوان لأن تنتقل الجاليات المصرية في أوروبا من مرحلة الحفاظ على الهوية داخل الجالية إلى مرحلة المشاركة الفاعلة في تشكيل الصورة الذهنية عن مصر داخل المجتمعات الأوروبية. فهذه ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، بل مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب رؤية واضحة، وتخطيطًا طويل الأمد، وإيمانًا بأن أفضل وسيلة للدفاع عن الوطن هي أن نجعل الآخرين يعرفونه كما هو، لا كما يُصوَّر لهم.
