القائمة

التحرش الرقمي في المؤسسات التعليمية | خطر صامت يُهدد الطلاب والمُعلمين

Linda Seleem شهرين مضت 0 6.4 ألف

لم يعد العالم الرقمي مجرد وسيلة ترفيه أو تواصل اجتماعي، بل أصبح جزءًا أساسيًا من المنظومة التعليمية، سواء في المدارس أو الجامعات، من خلال المجموعات الدراسية والتواصل بين الطلاب والمعلمين عبر التطبيقات مثل WhatsApp وTelegram وInstagram. لكن مع هذا الانفتاح الرقمي ظهرت مشكلة خطيرة بدأت تتسلل بهدوء إلى البيئة التعليمية، وهي التحرش الرقمي والتنمر الإلكتروني وانتهاك الخصوصية، وهي ممارسات قد تحدث خلف الشاشة لكنها تترك آثارًا نفسية وتربوية عميقة في الواقع.

العلاقة بين الطالب والمعلم أو الأستاذ الجامعي هي علاقة علم واحترام وحدود واضحة، لكن مع انتقال التواصل إلى وسائل التواصل الإجتماعي، اختلطت الحدود أحيانًا بين التواصل الأكاديمي والتواصل الشخصي، فانتقل الحوار من منصة تعليمية إلى حساب شخصي، ومن سؤال دراسي إلى حديث خارج إطار الدراسة، ومن مجموعة عامة إلى رسائل خاصة،هنا لا تكمن المشكلة في التواصل نفسه، بل في غياب الضوابط، لأن غياب الحدود الواضحة قد يؤدي إلى سوء فهم أو إحراج أو ضغط نفسي أو استغلال أو تحرش رقمي.

التحرش الرقمي في البيئة التعليمية لا يأتي دائمًا بصورة واضحة، بل قد يظهر في ممارسات يعتقد البعض أنها مزاح أو تواصل عادي، مثل الرسائل الشخصية المتكررة بلا سبب دراسي، أو التعليقات غير اللائقة على الصور، أو طلب صور أو معلومات شخصية، أو المزاح الذي يحمل إيحاءات غير مناسبة، أو التنمر بين الطلاب داخل مجموعات الدراسة، أو نشر محادثات خاصة دون إذن، أو استخدام صورة الشاشة (Screenshot) لإحراج شخص أو تهديده، أو إنشاء حسابات للسخرية من طالب أو معلم، أو الضغط بالدرجات والتقييم مقابل تواصل شخصي. كل هذه الممارسات قد تندرج تحت مسمى التنمر الإلكتروني أو التحرش الرقمي أو الابتزاز الإلكتروني.

في العصر الرقمي لم تعد المشكلة في الكلام فقط، بل في إمكانية تصوير أي محادثة ونشرها في ثوانٍ،صورة شاشة واحدة قد تخرج الكلام من سياقه، أو تنشر شائعة، أو تسبب إحراجًا اجتماعيًا، أو تخلق مشكلة أسرية، أو تدمر سمعة شخص، أو تستخدم في الابتزاز النفسي،لذلك يجب أن يدرك الجميع، طلابًا ومعلمين، قاعدة مهمة جدًا:كل ما يُكتب يمكن أن يُنشر، وكل رسالة يمكن أن تصبح Screenshot في أي لحظة.

لم يعد دور الأسرة يقتصر على متابعة الدرجات والنجاح الدراسي، بل أصبح من الضروري متابعة السلوك الرقمي للأبناء وتوعيتهم بكيفية استخدام وسائل التواصل بشكل آمن ومحترم. من واجب الأهل تعليم أبنائهم عدم إرسال الصور الشخصية، وعدم الرد على الرسائل المزعجة، وإخبارهم أن الإبلاغ عن أي إزعاج ليس خطأ بل حماية للنفس، وبناء الثقة حتى لا يخاف الأبناء من الحديث عما يتعرضون له، مع المتابعة بالتوجيه لا بالتجسس، وتعليمهم أن الأخلاق والاحترام لا تتغير بوجود شاشة.

المؤسسات التعليمية أصبحت مسؤولة ليس فقط عن التعليم الأكاديمي، بل عن الأمان النفسي والرقمي للطلاب. لذلك يجب وضع سياسة واضحة للتواصل الإلكتروني بين الطالب والمعلم، ومن الأفضل أن يكون التواصل عبر منصات تعليمية رسمية فقط وليس عبر الحسابات الشخصية، مع توعية الطلاب بمخاطر التحرش الرقمي والتنمر الإلكتروني، ووضع عقوبات واضحة للتشهير والتنمر ونشر المحادثات، وتوفير جهة يمكن للطلاب تقديم الشكاوى لها بسرية، وتدريب المعلمين على أخلاقيات التواصل الرقمي وحدود العلاقة المهنية.

نحن اليوم بحاجة إلى ثقافة جديدة تُعلِّم أن الاحترام في الإنترنت مثل الاحترام في الفصل الدراسي، وأن المعلم يبقى معلمًا داخل الإنترنت وخارجه، والطالب يبقى طالبًا داخل الإنترنت وخارجه، وأن الخصوصية حق وليست مادة للفضول أو السخرية، وأن نشر محادثة خاصة دون إذن ليس شجاعة بل اعتداء، وأن الكلمة المكتوبة قد تؤذي أكثر من الكلمة المنطوقة.

التحرش الرقمي في المؤسسات التعليمية ليس مشكلة تقنية بل مشكلة أخلاق وحدود وتربية ووعي. والتكنولوجيا ليست عدوًا، لكن سوء استخدامها قد يحولها إلى أداة أذى نفسي وإجتماعي. لذلك فالمواجهة لا تكون بمنع التكنولوجيا، بل بتعليم الاستخدام المسؤول، ووضع القوانين، ونشر الوعي بين الطلاب والمعلمين والأهالي.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *